لذلك نحن نريد أن نضع آمالنا بالآخرة، أما الدنيا فنعمل فيها، ونتفوق ولكن بنية عالية، وبين أيدينا لا في قلوبنا، وعلامة الدنيا التي لا ضير من أن تعمل فيها أن لا تشغلك عن طاعة، فإذا كانت صلواتك، وصيامك، وزكاتك، و حجك، وانضباط بيتك، وعملك وفق الشرع إذًا عملك في الدنيا وليس من الدنيا للآخرة، أما إذا كان الأمر: عندنا موسم فتركنا الدروس، ولم نصلِّ الظهر والعصر، بل نجمعهما مساءً. هذا حب الدنيا، فإذا ضيّع الإنسان صلواته، وضيَّع مجالس علمه، وضيَّع طلبه للعلم وهو منهمك في دنياه فهذا من حبّ الدنيا، أما إذا كان عندك حرص شديد على طاعة الله، فالدنيا عندئذٍ بين يديك، ولا بد من عمل تكسب منه رزقك، والعمل مشروع، والعلم مشروع، والحرفة مشروعة.
فالذي أريد من هذا الدرس إذْ ذممت الدنيا في أول الدرس، فأنا أذم من طلبها لذاتها، ومن جعلها كل همه ومبلغ علمه، ومن جعل الدنيا ديدنه، ومن أراد أن يستمتع بها، ويرتاح إليها، ويقتنص الشهوات فيها، فأنا ذممتها من هذه الزاوية، أما حينما أجعلها مطيةً للآخرة فلابد من أن تكون مثقفًا، أو صاحب حرفةٍ، أو صاحب مالٍ، أو منصبٍ من أجل أن تبذل هذا المال، وهذه الوجاهة، وهذه الحرفة في طاعة الله.
الإتقان و الإخلاص في العمل أساس طاعة الله:
الذين ينفقون أموالهم ليلًا ونهارًا هؤلاء ألا يغبطون على ذلك؟ هكذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ) )
[أخرجه مسلم عن"عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ"]
فالتفوق التفوق في الدنيا، ولكن على أن تكون مطيةً لا على أن تكون هدفًا لذاتها. وسيدنا النبي اللهم صلِّ عليه أمسك يد عبد الله بن مسعود فرآها خشنة، فرفعها هكذا أمام أصحابه وقال: