اقرؤوا سيرة الصحابة ماذا تجدون؟ تجدون أن كل أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم، كانوا في أسعد لحظات حياتهم عند مفارقة الدنيا، والآن اسأل طبيبًا مشرفًا يعاين حالات الوفاة (أطباء القلب يعرفون ذلك) انظر إلى فزع الإنسان عند الموت، إذا أيقن أنه سيغادر هذه الدنيا يختل توازنه، ويصبح كالطفل، يصيح ويبكِي، ويندب حظه، وقل للطبيب: صف لي حالة بعض المرضى؟ انهيار عصبي كامل حينما يوقن أنه انتهى.
لي قريب زار صديقًا له وهو على وشك الموت، وكان قد أعدَّ بيتًا فخمًا جدًا، فرآه متألمًا حاقدًا ناقمًا، وقال له: غدًا أموت، وزوجتي هذه تتزوج ويأتي زوجٌ غيري يأخذ البيت، فما هذا الشعور؟ إنه شعور مدَمِّر، حتى تمَّ بناء هذا البيت مات ألف موتة، وبعد أن نضج لم يستمتع به، صار معه مرض خطير، سوف يغادر، ورأى زوجته غير وفية، وسوف تأتي بزوج حسب مزاجها يستمتع بهذا البيت الذي تعب هو فيه، فهذه مشاعر الدنيا.
الدنيا تغر وتضر وتمر، وشعور أهل الدنيا حين المفارقة شعور لا يصدَّق، شعور اليأس والإحباط، أما المؤمن:"واكربتاه يا أبتِ". قال:"لا كرب على أبيك بعد الموت، غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبه".
تصور طالبًا يدرس على حسابه في بلد أجنبي يسكن غرفة قميئة، يعمل ليلًا نهارًا حتى أخذ الدكتوراه، وهو موعود في بلده بمنصب رفيع جدًا، وبأجمل بيت وأجمل زوجة، فهو عندما أخذ الدكتوراه وصدقها، وركب الطائرة هذه أسعد لحظات حياته وهو يعود إلى بلده.
وأحد العلماء سئل كيف القدوم على الله؟ قال: كالغائب ردّ إلى أهله.
ولو غاب إنسان عن أهله ثماني سنوات، ثم حضر يتفننون له في الطعام الذي يحبه، يطبخون له ست أو سبع طبخات، فأجمل الأكلات يحبها يعملونها له، وغرفة خاصة، وسرير فخم، وملاءات نظيفة، واحتفالات، وزيارات، وسهرات، فهذا للغائب الذي حضر، وهكذا المؤمن.