أما لو أن إنسانًا كان في أعلى درجات النجاح وقيل له: عليك أن تغادر خلال ساعتين ودع كل شيءٍ في بلدك، فهذه مصيبة كبيرة جدًا؛ ترك بيته، وأرضه، وسيارته، وكل شيء يملكه، فالمؤمن يشبه إنسانًا قدّم ماله أمامه فسرَّه اللحاق به، وغير المؤمن إنسان أُمِر أن يغادر فجأةً من دون أي تأخير، إذًا هكذا هو المؤمن.
فيا إخواني إذا عزَّى أحدُنا بعضَ المتوفين ولاحظ الفرق الكبير بين بيته الذي كان يسكنه وبين مقبرة باب الصغير، يقول لك: بيت ثمنه خمسة وعشرون مليونًا، أو ثلاثون أو أربعون مليونًا، ثلاثمئة متر، رخام إيطالي وجص، وثريات، و سجاد، لكن أين صاحبه؟ في القبر، صار بمتر ونصف، وبعرض ستين سنتيمتر، تحت أطباق الثرى، فحادث الموت خطير جدًا، فالناس نيام، وهم في غفلة، والإنسان يجب أن يزور القبور، ولو لم يكن له أقرباء فيتبع الجنائز، ويلاحظ اللحظة الحرجة حينما يفتح النعش ويحمل الميت في كفنه ويوضع في القبر، وتوضع هذه الحجارة، ويأتي الحَفَّار فيردم التراب، ويقف أولاد المتوفَّى يقبلون التعازي، قال له:"عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا".
والله أيها الأخوة ما رأيت إنسانًا أعقل من الذي يعدُّ لهذه الساعة عدَّتها؛ أعد لها استقامةً، ودخلًا شرعيًا حلالًا، وبيتًا مسلمًا، من زوجة و بنات وأولاد، وأعدّ لها عملًا صالحًا، فعمله المِهَنِي مشروع، فيه صدق وأمانة، فهو بعيد عن الكذب والغش والاحتيال، فالإنسان أعدّ لهذه الساعة بيتًا إسلاميًا، وعملًا إسلاميًا، واستقامةً على أمر الله، وعملًا صالحًا، إذا جاء الموت فهو في أسعد لحظات حياته.
اليأس و الإحباط يصيب أهل الدنيا عند مفارقتها: