الدعوة إلى الله قضية معقدة جدًا، وأبرز معالم الدعوة أن يرى الناس إنسانًا كاملًا، ومخلصًا، وصادقًا، وذا مبدأ، يضع رضا الله فوق كل شيء، وفوق كل اعتبار، وإنسانًا يضحي بمصالحه من أجل مبادئه، ويضحي بحاجاته الأساسية من أجل مُثُلِهِ العليا، فهو إنسان منضبط بالقيَم، والقيم فوق كل شيء، فإذا لا يوجد إنسان متمثل بهذه المبادئ كيف يتسع الحق وينتشر؟ لا ينتشر.
وأكبر أخطاء المسلمين أن ليس هناك مجتمع مسلم يطبق هذا الدين تطبيقًا حقيقيًا حتى ينتزع إعجاب العالم، فلو نظر العالم إلى المسلمين فماذا يرون؟ يرون تخلفًا، وفقرًا، ويرون أن المسلمين عالة على أعدائهم، فكل المصنوعات من إنتاج أعدائهم، وقطع الغيار والأشياء الأساسية في الحياة من إنتاج أعدائهم، فهم عالة على أعدائهم، فكيف يعجب الناس بالإسلام إن رأوا المسلمين متخلفين؟ وأنّ مصيرهم بيد خصومهم؟ فلم يكتفوا ذاتيًا، بل هم في كل حاجاتهم عالةٌ على من سواهم.
وسيدنا عمر أيها الأخوة دخل إلى بلدةٍ متفقدًا أحوالها، فهاله وأدهشه أن كل أصحاب الصناعات فيها من الأقباط، أي من غير المسلمين، فتألم أشد الألم، وعَنَّفَ أصحاب هذه البلدة أشد التعنيف، فما كان منهم إلا أن قالوا المقولة الساذجة:"الله سخرهم لنا". فقال قولةً تنمُّ عن عمق تفكيره وعن دقة إدراكه، قال لهؤلاء أصحاب البلدة المقصِّرين في الأعمال:"كيف بكم إذا أصبحتم عبيدًا عندهم".
أي ما دمت بحاجة إلى عدوك، إذًا لا تملك القرار السليم، فأنت ضعيف أمامه، يتحكم بكل شيء، فما دام طعامك وحاجاتك من عنده، فويلٌ لأمةٍ تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسُج.