كأنه يوجد قرار سابق يتخذه الإنسان من ذاته بطلب الهدى وعندئذٍ ينتفع بالقرآن، والآيات الكونية، والأفعال الإلهية، و اعلم أنك لا تنتفع بكل وسائل الهدى إلا إذا أردت الهدى.
فلو أن إنسانًا يبحث عن جهاز ضغط ليقيس ضغطه تجده مهمومًا، دخل إلى مكتبة لا يعنيه منها شيء، ولو قيل له: هذا كتاب جديد، وهذا طبعة حديثة. ولكنه يسأل البائع: هل عندك جهاز ضغط؟ طلبه جهاز ضغط. أما لو وجد طالب علم، وعنده قائمة كتب، فيدخل إلى المكتبة وعينه على الكتب كتابًا كتابًا.
فالإنسان إذا لم يطلب الهدى فإنه لا ينتفع لا بالقرآن، ولا بالعظماء، ولا بالدعاء، ولا بخطب المساجد، ولا بالأحداث، ولا بأي شيء إطلاقًا.
الهدى قرار داخلي على الإنسان أن يسرع باتخاذه:
لو أن إنسانًا ليس لديه بيت، وكان عنده بيت وعليه دعوى إخلاء، فأخلوه، فأصبحت زوجته عند أهلها وهو عند أهله وأولاده بين الجهتين وهو معذب عذابًا لا يحتمل، ويمشي في الطريق هائمًا على وجهه يبحث عن غرفة يأوي إليها، فقال واحد: أتريد بيتًا؟ فيمكن أن يقبّل رجله، وأن يختل توازنه، فإذا كنت طالبًا الشيء فعندئذٍ تستفيد من كل شيء، وإذا لم تطلب الشيء، كأن يكون لديه بيت كبير، وبيت ثان مغلق، وبيت ثالث يريد أن يبيعه، وسأله سائل: هل تريد أن تشتري بيتًا؟ تجده لا يجيبه إطلاقًا ويعرض عنه، وقد لاحظت ملاحظة في كتاب الله كله، كثير من الآيات:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) }
(سورة ق)
{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) }
(سورة البقرة)
{إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ}
(سورة النحل: من آية"104")
فأنت لك قرار سابق إذا لم تتخذه بطلب الهدى لا ينفعك الهدى إطلاقًا، ولا تستفيد.