فهذه الدنيا بكل ما فيها من مُتَع، من مكانة، ووجاهة، وشأن رفيع، ومال وفير، وطعام طيِّب، ونساء، وقصور، كل ما فيها لا تعدل عند الله جناح بعوضة.
(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ) )
(الجامع الصغير: عن"أبي هريرة")
ليس بيننا وبين الجنة إلا أن نطيع الله عزَّ وجل، والدنيا لا قيمة لها، هي فانية، يأتي الموت ينهي غنى الغني، ألا ترون أن أغنياء كثيرين حينما ماتوا ورّوا تحت أطباق الثرى شأنهم كشأن أفقر إنسان، فهل هناك كفن حرير، وكفن خام؟ كله خام، وهل يوجد قبر درجة أولى، أو قبر خمس نجوم؟ كله قبر، الموت ينهي غني الغني وفقر الفقير، ينهي قوة القوي وضعف الضعيف، ووسامة الوسيم ودمامة الدميم، وصحة الصحيح ومرض المريض، الموت يسوِّي بين البشر، فلذلك العاقل من يُعِدُّ لهذه الساعة عدَّتها، ويعدُّ لها العمل الصالح، ويعد لها طلب العلم، وخدمة الخلق، والأعمال الطيبة التي ترضي الله عزَّ وجل. إذًا:
{وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8) }
أعظم تكريم للإنسان أن يُعرّف نفسه بربها:
الذين اختاروا طريق الكفر، أي أنهم ظلموا أنفسهم، هم ما أرادوا أن يظلموا ولكنهم ظلموا أنفسهم، أرأيتَ لو أن إنسانًا خَيَّرته بين شيءٍ نفيسٍ جدًا وبين عذابٍ شديد فاختار العذاب، ظلم من؟ ظلم نفسه، يجب أن نعلم علم اليقين أن أشد أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بإبقائها جاهلةً بعيدةً مسيئة، فليس هناك تكريم أعظم من أن تعرِّف نفسك بربها، ومن أن تحملها على طاعته، وتوقفها عند أمر الله، أن تجعلها وقَّافةً عنده، أن تأمرها بالحلال وأن تنهاها عن الحرام، هذا أكبر تكريم، وكل واحد منا بإمكانه أن يكون مكرَّمًا أشد تكريم، والتكريم الحقيقي ما كان عند الله عزَّ وجل لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( ابتغوا الرفعة عند الله ) )