هذا الذي يقول: لو أن الله عزَّ وجل جعلنا أمةً واحدة. أي هل من الممكن أن يكون هناك امتحان حقيقي نزيه، وأسئلة دقيقة جدًا، وأساتذة أقوياء مهرة متفوقون، والطلاب تفاوتوا في اجتهادهم، وفي حضورهم، وفي دوامهم، هل يعقل أن تأتي العلامات كلها متساوية؟ مستحيل، فالعلامات متفوقة، ووسط، وضعيفة، وهناك رسوب، ونجاح، وممتاز، وجيد جدًا، وجيد، ومقبول، وضعيف، وراسب، فهذا شأن الاختيار، لكن لو أن إدارة الجامعة ألغت الامتحان إلغاءً كليًا وأعطت علامات موحدة بلا امتحان، هذا الامتحان ليس له قيمة، هذه الشهادة لا قيمة لها إطلاقًا، لا قيمة لها لا عند رئاسة الجامعة، ولا عند الطلاب، أو عند أولياء الطلاب، أي إذا ألغي الامتحان فالنجاح ليس له قيمة، والشهادات لا معنى لها، فهذا مما نفهمه أحيانًا من قوله تعالى:
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (8) }
أن يكون الناس نسخةً واحدة، شخصيةً واحدة، سلوكًا واحدًا هذا ممكن، ولكن إذا ألغي اختيارهم، وتكليفهم، وألغيت الأمانة، أي ألغيت هذه الميزة الكبيرة التي أعطاها الله الإنسان فالإنسان إذا عبد الله يعبده طوعًا، ومبادرةً، ومن دون أن يكون مكرهًا ولا مضطرًا ولا مجبرًا، وإن الله قد أمر عباده تخييرًا ونهاهم تحذيرًا، وكلَّف يسيرًا ولم يكلف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا.
أي أن الإنسان مسيَّر ومخير، مخير فيما كُلِّف، أنت كلفت بالصلاة، لك أن تصلي ولك ألا تصلي، وكلفت بغض البصر لك أن تغض البصر ولك ألا تغضه، وكلفت أن تكون صادقًا لك أن تصدق ولك أن تكذب، إذ لا قيمة للصدق إلا إذا كان عن اختيار، ولا حساب على الكذب إلا إذا كان عن اختيار، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملًا لكان عجزًا في القدرة، فهذا المعنى الذي يحلّ كلّ المشكلات التي قد يظنها المؤمن مشكلة.
الإنسان مسيَّر ومخير: