اقرأ القرآن من خلال عقلك فتقول: هذا ليس من كلام البشر، لأن فيه إعجازًا؛ إعجازًا علميًا، وإعجازًا لغويًا، وإعجازًا تشريعيًا، و إخباريًا، تربويًا، وتشعر بالدليل القاطع تلو الدليل أن هذا الكلام ليس كلام البشر، هذا بالعقل تستنبطه، وتؤمن أيضًا أن الذي جاء بهذا الكلام هو رسول من عند الله عزَّ وجل معه معجزة، وانتهى والآن دور العقل، فقد أوصلك إلى الله، وهو لا يحيط بالله لكن يصل إليه، وشتَّان بين الوصول والإحاطة، أوصلك إلى الله، وأوصلك إلى أن هذا الكلام كلامه، وإلى أن الذي جاء بهذا الكلام رسوله ونبيُّه.
والآن جميع الموضوعات التي يعجز عقلك عن إدراكها أخبرك الوحي عنها؛ وعن ذات الله، وعن أسمائه الحسنى، وعن سر وجودك على وجه الأرض، ولماذا خلقك؟ وماذا بعد الموت؟ وقبله؟ وما سر هذه الحياة؟ وما ينبغي لك أن تفعل؟ فهناك أمر ونهي، وتوجيه، وإنذار، ووعد، ووعيد وهذا كلُّه بالوحي.
والوحي الذي يأتي الأنبياء ولاسيما النبي عليه الصلاة والسلام، إنه من لوازم كمال الله عزَّ وجل، ولذلك جاءت الآية:
{كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) }
الوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليس شيئًا جديدًا، ولا مستحدثًا، ولا شيئًا لم يسبق له مثيل، فهذه سنة الله في خلقه، فأي أبٍ (من باب التقريب والتمثيل) لابدَّ أن ينصح ابنه إذا انحرف عن سواء السبيل، فأن ينصح الأب ابنه، وأن يبيِّن له طريق الفلاح والنجاح في الدنيا فهذا شيءٌ من لوازم الآباء الصالحين، فإن فعلها أبٌ فليس معنى هذا أنه عمل شيئًا لم يفعله أحد. فشيءٌ طبيعيٌ جدًا أن الله سبحانه وتعالى خالق الكون، ورب العالمين، رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لا يدع عباده من دون أمرٍ، ونهيٍ، وتوجيهٍ، وإرشادٍ، ونصحٍ، ووعدٍ، ووعيدٍ، وإنذارٍ، وتبيانٍ .. الخ.