فهرس الكتاب

الصفحة 16609 من 22028

ذكَّرني هذا بقصَّة أخرى، عندما أرسل أحد أصحابه، وهو حاطب بن أبي بلتعة، كتابًا إلى قريش قبيل فتح مكَّة يقول فيه:"إن محمدًا سيغزوكم فخذوا حذركم"، وهذا الكتاب في مقياس أمم الأرض قاطبةً، وحكومات الأرض قاطبةً خيانةٌ عُظمى، ويستحق صاحبه الإعدام، فلمَّا أخبر الوحي النبي عليه الصلاة والسلام بهذا أرسل النبي أحد أصحابه ليأتوا بالكتاب من امرأة كانت في منتصف الطريق في مكان اسمه الروضة، واستدعي حاطب بن أبي بلتعة ليُحقَّق معه، ما كان من عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إلا أن قال:"يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( أو ليس من أهل بدر"، أي لم يهدر له عمله، قال:"يا حاطب، ما حملك على ما صنعت؟"قال:"والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، ولكن أردت أن يكون لي صنيعةٌ عند قريش، لأنه ليس لي عندهم أهلٌ يحمونني"، فقال عليه الصلاة والسلام: (( صدق، ولا تقولوا له إلا خيرًا ) )."

[صحيح البخاري عن حصين]

وعلَّق كُتَّاب السيرة على هذه الحادثة: بأن عمر نظر إلى الذنب فرآه خيانةً عُظمى، لكن النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى صاحب الذنب فرآه قد وقع، وتعثَّر في لحظة ضعفٍ طارئة، فأراد النبي أن يعينه على نفسه، وأن ينهضه، وأنهضه، وحَسُنَ إسلامه، وأرسله مندوبًا شخصيًا لبعض الملوك في المستقبل، لذلك النبي كما قال بعض الشعراء:

وأجمل منك لم ترَ قد عيني ... و أكمل منك لم تلد النساءُ

خُلِقت مبرَّأً من كل عيبٍ ... كأنَّك قد خُلقت كما تشاءُ

موطن الشاهد في هذه الآية أي أن المؤمن ينتقل من الكون للمكوِّن، من النظام للمنظِّم، من التسيير للمسيِّير، من الوجود للموجد، من النعمة إلى المُنعم، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ صباحًا أول ما يقول:

(( الحمد لله الذي ردَّ إليَّ روحي ـ أيْ أنه استيقظ، هناك ناس ينامون ولا يستيقظون ـ وعافني في بدني، وأذن لي بذكره ) ).

[الجامع الصغير عن أبي هريرة]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت