وهنا لابدَّ من وقفةٍ قصيرة، الكافر يقف عند النِعمة، والمؤمن ينتقل من النعمة إلى المُنعم، لا شكَّ أن النعم معروفة عند أهل الكفر، وعند أهل الإيمان، عند الملحدين، عند المشركين، عند الفجَّار، عند المؤمنين، الشمس شمس، والقمر قمر، والهواء النقي هواء نقي، والماء العذب الفرات عذب فرات، والخيرات الوفيرة من الطعام والشراب هي خيرات وفيرة، فليس هناك أي خلاف على النعم في الكون إطلاقًا، اذهب إلى أي مكانٍ شئت، إلى شرق الأرض وغربها، إلى شمالها وجنوبها، لا تجد فرقًا في النعم، كل إنسان يحب بيتا واسعا، مدفَّأ شتاءً، مكيَّفا صيفًا، الطعام، الشراب، الفواكه، أنواع اللحومات، المقبِّلات، الشراب، الفُرُش الوثيرة، الأثاث الفخم، التزينات، النعم نِعم، لكن المؤمن ينتقل من النعمة إلى المنعم، والكافر يبقى عند النعمة يعبدها من دون الله، هذا هو الفرق.
ولو كانت بلاد لا تعبد فيها الشمس، ولا تُعبد فيها الأبقار إلا أنه حينما نسعى لهذه النعم وننسى المنعم، حينما نتنافس على هذه النعم، وننسى منهج المنعم، حينما نسعى إليها وكأنها هي كل شيء ومحطُّ الرحال، هنا المشكلة، المشكلة أن هذه النعم ينبغي أن نتجاوزها إلى المُنعم، لو قرأت أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وأدعيته لوجدت أن كل نعمةٍ عزاها إلى الله عزَّ وجل، فكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل الخلاء يقول:
(( الحَمْدُ لِلَّه الَّذي أذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وأبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَدَفَعَ عَنِّي أَذَاهُ ) ).
[البيهقي في شعب الإيمان، وابن أبي شيبة في المصنف]
عرف هذه النعمة؛ نعمة الطعام، نعمة أنك أكلت طعامًا وشرابًا ولم تأخذ سيرومًا، نعمة أن هذا الطعام والشراب لذيذ الطعم، طيِّب المذاق، مستساغ، وهذه التفَّاحة شكلها، ولونها، وحجمها، وقشرها، ولبُّها، وقِوامها، ومضمونها مناسبٌ للجسم، أذاقني لذَّته.