الحقيقة عندنا إنسانان يرتكبان معصية؛ واحد يرتكب المعصية وهو متألِّمًا أشد الألم، نادمًا أشد الندم، منزعجٌ أشدَّ الانزعاج، وإنسان آخر يرتكب المعصية، ويظن أنه يُحسن صنعًا بها، يظن أن الحياة هكذا، وهذا مذهب، هكذا الواقعيَّة، والحضارة، هكذا الرُقِيّ، فأخطر إنسان هو الذي ماتت منه القيَم، وخَفَتَ في نفسه صوت الضمير، فإذا فعل معصيةً، أو ارتكب مخالفةً، أو وقع في انحطاطٍ معيَّن يظن أنه يحسن صنعًا، لهذا فربنا عزَّ وجل قال:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) }
(سورة الشمس)
فالإنسان مفطور فطرةً حيث لو اتقى الله لعرف أنه يتقي الله، ارتاحت نفسه، اطمأنَّ قلبه، ولو أنه ارتكب معصيةً لشعر أنه قد عصى، شعر أنه قد فجر، وهذا من فضل الله علينا، ومن أكبر النِعَم على بني البشر أن الله فَطَرهم فطرةً عالية حيث لو فعلوا معصيةً، أو ارتكبوا إثمًا، أو أساءوا، أو أوقعوا الضرر بالناس لشعروا بانقباض، هذا معنى:
{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) }
وأشقى من ذلك من خفت في نفسه صوت فطرته، فإذا فعل السيِّئات يقول: ماذا فعلت؟ هذا أشقى الناس، مَن طُمِسَت فطرته، وخفت صوت ضميره، وانقلبت موازينه، فبدل انه إذا عصى الله عزَّ وجل يتألَّم، ولعلَّ هذا الألم يحمله على التوبة، يفتخر، ويظن أنه يحسن صنعًا، هذا الإنسان بلغ الحضيض ..
{وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}
فالشيطان يزيِّن، والمَلَك يُلْهِم، والسعيد من أصغى إلى صوت الملك فاتبع رُشْدَهُ، والشقي من استجاب إلى وسوسة الشيطان فسلك في طريق الهلاك.
4 ـ استعذ بالله فيخنس الشيطانُ الرجيم: