أيها الإخوة، كلَّما ازداد علم الإنسان قاده علمه إلى التواضع، لأنه يرى عظمة الله عزَّ وجل ويرى نفسه لا شيء، والتواضع حقيقةً قد يكون سلوكا ذكيا، أما التواضع الحقيقي الذي هو من لوازم طاعة الله عزَّ وجل، فأساسه رؤية، إذا رأيت عظمة الله عزَّ وجل ضَؤلَت نفسك في نظرك، فلا يوجد إنسان متكبِّر إلا وهو جاهل، ولا يوجد إنسان متواضع تواضعا حقيقيا، تواضع العبوديَّة لله إلا وهو عالِم، فكلَّما رأيت عظمة الله عزَّ وجل رأيت صِغَرِ نفسك، لهذا قال عليه الصلاة والسلام في أدعيته:
(( اجعلني في عيني صغيرا، وفي أعين الناس كبيرا ) ).
[من الجامع الصغير عن بريدة]
لكن بعض الناس يرى نفسه في عينه كبيرًا، وهو في أعين الناس صغير.
إذًا: التواضع الحقيقي أن ترى عظمة الله عزَّ وجل، أن ترى رحمة الله، وعلمه، وقدرته، كلَّما ارتقيت في معرفة الله صرت في معرفة ملازمة لهذه المعرفة، فتزداد معرفةً بعلم الله ومعرفةً بجهل الإنسان، هذا ما قاله الإمام الشافعي:"كلَّما ازددت علمًا بالله ازددت علمًا بجهلي".
إذًا التواضع الحقيقي أساسه رؤيةٌ صحيحة، وهذه الرؤية الصحيحة ينتج عنها تحجيمٌ لذات الإنسان، فإذا عَمِيَ الإنسان عن عظمة الله وشعر أنه قوي، وأنه غني، وأن مقاليد الأمور بعضها بيده، وأن الناس من حوله متزلِّفون، هذا الشعور الكاذب ربَّما قاده إلى الهلاك.
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}