الحقيقة أن السماع له قانون، والإنسان لا يكفي أن تكون له أذنان سليمتان من عيوب السمع، فالسماع متعلِّق بالاهتمام، والشيء الذي تبحث عنه تسمعه بدقَّةٍ بالغة، وتسمع أخباره كلَّها، والشيء الذي لا يعنيك ولو وُضع في أذنك أكبر مكبِّر للصوت فإنك لا تسمع شيئًا، والإنسان يجرِّب أحيانًا، الأذنان زوَّدهما الله عزَّ وجل بقدرةٍ على الاصطفاء، اجلس مع صديقٍ لك في الغرفة، وضع على النافذة آلة تسجيل، لتسجِّل الأصوات الآتية من الخارج، تحدَّث معه طويلًا، ثم استمع إلى ما سجَّله الشريط، تفاجأ أن كل هذه الأصوات التي سجَّلتها الآلة لم تسمعها أنت في أثناء اندماجك في الحديث مع صديقك، فمعنى ذلك أن الأذن تصطفي، وهذا مثل مادي.
وعلى نطاقٍ أوسع: إن الإنسان يُرهف السمع إلى ما يعنيه، يرهف السمع إلى ما يحتاجه، ويبحث عنه، وما هو صادقٌ في طلبه، إذًا: عدم السماع يأتي من عدم الاهتمام، ومن عدم الصدق مع الله عزَّ وجل، عدم السماع يأتي من البعد عن الله عزَّ وجل، لذلك:
{بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ}
وهناك آية قرآنيَّة توضِّح هذا المعنى الدقيق، قال تعالى في سورة البقرة:
{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}
(سورة البقرة: من الآية 7)
الختمُ الحُكمي على القلب:
العلماء قالوا: هذا ختم حُكْمِي، وما معنى ختم حكمي؟ لو أن لهذا المسجد بابين، هذا الباب باب الحرم وبابٌ خارجي، فلو أقفلنا الباب الخارجي فهذا الباب الداخلي في حكم المُغْلَق، مادام الباب الخارجي مَنَع أيّ إنسان من دخول المسجد فهذا الباب لا معنى له ولو كان مفتوحا، فربنا عزَّ وجل يقول:
{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}