هذه السعادة الكبرى أن تغادر الدنيا، وقد رضي الله عنك، أن تغادر الدنيا، وقد عرفت الله في الدنيا، أن تغادر الدنيا، وقد أطعت الله في الدنيا، أن تغادر الدنيا، وقد سَخَّرْتَ حظوظ الدنيا لطاعة الله عزَّ وجل، أعطاك الله صحة أطعت الله بها، أعطاك مالًا أنفقته في سبيل الله، أعطاك علمًا بذلته، أعطاك وجاهةً أنفقتها في نصرة الضعيف.
إذًا: دققوا وتبصَّروا، فالمؤمن الحق ينبغي أن يعرف حقيقة الدنيا.
مؤمن آل فرعون قال:
{يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}
المستقَرُّ، مَحَطُّ الآمال، منتهى الغايات، حيث لا قلق، ولا خوف، ولا حُزن ..
(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ) ).
[البخاري عن أبي هريرة]
الدخول في وعد الله من أسباب السعادة:
سألني مرة أخ: كيف تقول: إن المؤمن سعيد في الدنيا، وهو يعاني كما يعاني كل الناس فيها؟ كل شيء يعانيه الناس فالمؤمن يعاني مثلهم، فمن أين له السعادة؟ ضربت له مثلًا وقلت له: لو أن إنسانًا فقيرًا جدًا، فقره مدقع، عنده أولادٌ كثيرون، دخله قليلٌ جدًا، بيته بالأجرة، عليه دعوة إخلاء، له عمٌ يملك أكثر من سبعمائة مليون، وهو قابضٌ يده، وليس له أولاد، وتوفي هذا العم في حادث سير فجأةً، أليست كل هذه الثروة الطائلة لعمه ستنتقل إليه؟ نعم، قبل أن يقبض أي مبلغ قد يمضي سنة أو سنتان في إجراء معاملات حصر الإرث وضريبة التركات، لماذا في هذين العامين يكون من أسعد الناس، مع أنه لم يقبض قرشًا واحدًا، ولم يأكل أكلةً واحدةً زيادة عن وضعه السابق؟ لأنه دخل في الوعد، إذْ شعر بأن هذا الوعد العظيم منَّاه أن يملك سبعمائة مليون، فهذا الوعد يمتص كل متاعب السنتين، كلما رأى بيتًا فخمًا يقول سأشتري مثل هذا لبيت، سأقتني مثل هذه المركبة، سأفعل كذلك.