الأمر تمامًا كما لو أنك جئت بجهاز حاسب إلكتروني ثمنه ثلاثون مليونًا، ومعه تعليمات تقدر بألف صفحة ورسوم، ولك جار يعمل في بيع الألبان، وقال لك: هكذا يعمل، وكان كلامه خلاف التعليمات، فمن تصدق؟ أيًّا كان هذا الإنسان، قد يكون أخاك، قد يكون قريبًا منك، والمودة بالغة بينك وبينه، فإنك في موضوع تصليح الجهاز وتشغيله تقول له: لا، فهذه ليست من اختصاصك، هذا شيءٌ لا تعرفه أنت، بل يحتاج إلى ذوي اختصاص، فهل يعقل أن أسلِّم جهازًا ثمنه ثلاثون مليونًا وكله صمامات وكله دارات، وشيء معقد جدًا، أفأُسلمه لإنسان لا خبرة له بهذا الجهاز ولا بأمثاله، و لو كان أخًا أو صديقا حميمًا؟
فأنت عندما تعرف أن للكون إلهًا عظيمًا، وهذا كتابه وهذه تعليماته، وأنت كائن بالغ التعقيد، وتعيش حياة في الدنيا محدودة، وفي الآخرة أبدٌ، فإنك لا تسلم نفسك إلا إلى منهج الله عزَّ وجل وتلتزم به.
(( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ) ).
[كشف الخفاء]
(( يا ابن عمر، دينَك، دينَك، إنما هو لحمك ودمك، فانظر عمن تأخذ، خذ الدين عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين قالوا ) ).
[كنز العمال عن ابن عمر]
ما قولك أنك إذا صدَّقت إنسانًا، ولم تطالبه بالدليل في أمر دينك، واتبعت طريقًا غير صحيح فالعاقبة وخيمة، فلو كان دخلك حراما مثلًا، أو لو مارست هوايةً لا ترضى الله عزَّ وجل على أنها مشروعة، بزعم زيد ودليل عُبيد، ثم فوجئت يوم القيامة أن زيدًا وعبيدًا لا يفقهان شيئًا، وأنهما ليسا مخوَّلين أن يوجِّهاك، وليس لهما عليك سلطان، وأنك تركت كتاب الله وراء ظهرك، واتبعت أمر أناسٍ جهلاء، أليست هذه خسارةٌ كبيرة؟ قال تعالى:
{الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}
(الأنعام: من الآية 20)