أما البستان فهو بستان فيه زيتون، وفيه تفاح، وعنب، وجداول الماء السلسبيل، هكذا السورة، فأساس المجادلة هي عملية طعن بالآيات؛ كل الآيات سواء منها: الآيات الكونية، والقرآنية، والتكونينة، حتى الزلازل والبراكين والحروب الأهلية لا يقبل إلا أن تفسَّر تفسيرًا أرضيًا، لا يقبل أن تكون آياتٍ دالةً على عظمة الله وعلى عدالته، كلما علّلت الأحداث الكبرى التي تجري في العالم على أن الله عزَّ وجل بيده كل شيء وأنه هو المصرِّف، وهذه مشيئته:
{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}
(سورة الفتح: من الآية 10)
والله عزَّ وجل خبير، وهؤلاء كلهم عباده، يعاملهم وفق حكمةٍ مطلقةٍ، وفق ميزان عدلٍ كبير، فهذا التفسير لا يعجبه، بل يطعن بهذا التفسير، ويعترض، و يماري:
{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا}
من أصول الدعوة: لا تناقش الكافر في الفروع:
لذلك إذا كان الإنسان كافرًا بالله فلا تحاول إطلاقًا أن تدخل معه بموضوعات فرعية، فهو كافر بالأصل، أصل الدين معرفة الله، هو لا يعرف الله، إذا كان لا يبالي بكل الآيات الدالة على عظمة الله ولا يعطيها قيمةً ويصم دونها آذانه فهذا من باب أولى إهماله.
وكأَنَّ هذه الآية فيها توجيه لنا، فأنت قبل أن تناقشه في التعدُّد، فدائمًا أعداء الدين لا يذكرون سوى التعدد: أنتم عندكم تعدُّد زوجات، لا تناقشه في تعدد الزوجات، ناقشه في وجود الله، وإذا آمن بوجود الله ناقشه في الكتاب، إذا آمن في الكتاب فعندئذ من الممكن مناقشته، وقد يستجيب لنتيجة النقاش.
لدينا في الإسلام تسلسل وترتيب: أوّلا، لا جدوى من الإيمان بالأنبياء قبل أن نؤمن بالله، ولا جدوى من الإيمان بالكتاب قبل أن نؤمن بالله، فإذا آمنا بوجود الله؛ آمنا به خالقًا، آمنا به ربًا، آمنا به مسيِّرًا إلهًا، ثم آمنا بأن هذا القرآن كلامه من خلال الإعجاز، وآمنا بأن الذي جاء بهذا القرآن المُعْجِز هو رسول الله.