هل هناك ذنبٌ أكبر من رحمة الله؟ لا، هل هناك ذنبٌ أكبر من مغفرة الله؟ كلا، وسعت رحمة الله كل الذنوب.
تعاظمني ذنبي فلمَّا قرنته ... بعفوك ربي عفوك أعظمُ
لكن الإنسان إذا تعامل مع الله، مع الله ما في مزاح، ما في تسلية، أنت تعاملت مع الله، زلَّت قدمك، انحرف سلوكك، تورَّطت في معصية، وقعت في انحراف، فما عليك إلا أن تتوب، لكن إذا تبت توبةً نصوحَ أنسى الله حافظيك، والملائكة، وبقاع الأرض كلَّها خطاياك وذنوبك، كأن هذه المعاصي لم تكنْ، وربنا جلَّ جلاله يُشْعِرُكَ بذلك، يشعرك أنه غفر لك، تشعر أنك خفيف، تشعر أن كابوسًا أُزيح عن صدرك، تشعر أن الدنيا لا تسعك، يا ربي لك الحمد، أبدًا يشعرك أنه غفر لك، أنه قبلك، تبت إليه فتاب عليك، تابوا فتاب الله عليهم، أقبلت إليه فقبِلَك، تبت إليه فتاب عليك، قلت: يا رب، قال: لبيك يا عبدي.
عجبت لإنسان معه كل هذه التسهيلات ولا يستخدمها! معه باب التوبة ولا يخترقه، ولا يدخل منه! معه رحمة الله عزَّ وجل كيف ينساها؟! أمامه هذه الآية كيف يقنط، كيف ييأس؟! لكن أنا لا ألوم إنسان تاب إلى الله توبةً نصوحَ ثمَّ نَقَضَ التوبة، ثم تاب ثمَّ نقض التوبة، عندئذٍ كلَّما نقض التوبة مرَّةً ضعفت إمكانيَّة توبته القادمة، كل نقض للتوبة يضعف مكانتك عند الله، أسهل توبة أول توبة، مهما تكن الذنوب كبيرةً، مهما يكن الانحراف خطيرًا، مهما يكن حجم المعاصي واسعًا، أسهل توبة أول توبة، وتشعر أن الصُلح بلمحةٍ واحدة - الصُلْحَ بلمحة - يا رب اغفر لي ذنبي. يا عبدي قبلتك وغفرت لك، وتبت عليك.
لكن المشكلة عندما يتوب الإنسان ثمَّ يعود إلى الذنب الذي تاب منه، يشعر أن حجابًا صار بينه وبين الله، ثمَّ تاب مرَّةً ثانية وعاد إلى الذنب مرَّةً ثالثة، صار الحجاب أسمك، فكلَّما نقض التوبة ثَخُنَ الحجاب، إلى درجة أنه ربَّما لا يستطيع أن يتوب بعد ذلك.