الإضلال كما تعلمون إذا عُزِيَ إلى الله جلَّ جلاله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري، وأفضل مثالٍ يوضِّح هذه الآية: أن جامعةً حريصةً حرصًا لا حدود له على مستقبل طُلاَّبها، وعلى نجاحهم وتفوقهم، اكتشفت من خلال أوراق الدوام أن زيدًا من الطلاَّب لم يداوم أبدًا ولم يشتر كتابًا، ولم يحضر ولا محاضرة، ولم يتقدَّم إلى الامتحان، أرسلت له كتابًا تدعوه فيه إلى لقاء عميد الكليَّة، إلى التسجيل بشكلٍ استثنائي، محاولةٌ، واثنتان، وثلاث، وأربع، وخمس، وهذا الطالب مُصِرٌ على ألا يلتحق بالجامعة، وألا يشتري كتابًا، وألا يحضر أية محاضرة، وألا يؤدي امتحانًا، وبعد محاولاتٍ كثيرة ويائسة أصرَّ هذا الطالب على رفض الدراسة كليًا، عندئذٍ لابدَّ من صدور كتابٍ يُرَقم فيه قيد هذا الطالب، متى رقِّم قيده؟ ومتى أُخرِجَ من الجامعة؟ بعد أن أخذ آلاف المواقف العنيدة المُصِرَّة على عدم قبول الدراسة، إذًا هذا الفصل، وهذا التَرْقيم، وهذا الإخراج من الجامعة هو نتيجةٌ حتميَّةٌ، وعند عُلماء المنطق تحصيل حاصل، نتيجةٌ حتميَّةٌ لاختياره الذي أَصَرَّ عليه في عدم الدراسة.
فإذا أصرَّ الإنسان على اختيار الشهوة، أصرَّ على الدنيا وترك الآخرة، أصرَّ على شهواته وترك مبادئه، أصرَّ على مصالحه وترك قيَمَهُ، أصرَّ على أن يكون مع الشيطان وترك ربَّه، وقد جرت محاولاتٌ عدَّة؛ تارةً بالنُصح، وتارةً بالتضييق، وتارةً بالمرض، وتارةً بالشدَّة، وتارةً بالفقر، وتارةً بالخوف، وكل هذه المحاولات لم تُجْدِ، وبقي مصرًا على معاصيه، وشهواته، وضلالاته، عندئذٍ التحصيل الحاصل أن الله يضلُّه، فإذا أضلَّه الله لا تستطيع قوَّةٌ في الأرض أن تهديه إلى سواء السبيل، لأن الله بيده كل شيء.