والله لو مضيت في أن نقف على دقائق نَظْمِ القرآن الكريم ساعاتٍ طويلة، وأشهرًا عديدة، وسنواتٍ مديدة، والله لا ينتهي الأمر، لأنه:
{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}
[سورة الكهف: 109]
يجب أن نعلم أنه إذا درست قواعد اللغة العربيَّة، ووضعت يدك على إعجاز القرآن البلاغي والنَظمي، لشعرت أن هذا الكلام ليس كلام البشر، إنه كلام خالق البشر، لذلك قال النبي الكريم:
(( فَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ) )
[الترمذي عن أبي سعيد]
{قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}
أحيانًا الأفعال باللغة العربيَّة تكون لازمة، لازمة كأن تقول: نام الطفل، أو غضب أخي، هذا فعل يكتفي بفاعله، وهناك أفعال متعديَّة تحتاج إلى مفعول به، و أفعال ليست لازمة ولا متعديِّة إنها قاصرة، أي لا تتعدَّى إلا بأداة، تقول: نظرت إلى، بحثت في، عجبت مِن، هناك أفعال لابدَّ لها من أدوات، في القرآن الكريم الذي يلفت النظر أن بعض الأفعال تستعمل معها أدواتٌ غير أدواتها، لعلَّةٍ بلاغيَّةٍ أرادها الله عزَّ وجل كقوله تعالى:
{وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}
[سورة النساء: 2]
هنا أكل أعطاه القرآن معنى ضَمَّ، ضمَّ المال إليه فكأنه أكله بالباطل، على كلٍّ المجال لا يتَّسع للإفاضة في الحديث عن إعجاز القرآن البلاغي، هذا كلُّه ينطوي بكلمة:
{قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}
معنى ذلك كلام غير الله عزَّ وجل ذو عِوَج، لا يستقيم أحيانًا، ليس فيه دقَّة، ليس فيه عُمق، ليس فيه مصداقيَّة تقابل الواقع، لابدَّ من خللٍ، من اضطراب، لذلك قال الله عزَّ وجل:
الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ
[سورة البقرة: 1 - 2]
{لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}