فاللغة العربيَّة دقيقةٌ جدًا في التعبير، أضرب مثلًا فعل نَظَرَ، هذا الفعل في اللغة العربيَّة له مفرداتٌ كثيرة، وكل لفظةٍ من ألفاظ النظر تعني النظر مع حالةٍ خاصَّة، وقلّما نجد هذه المعاني الدقيقة في بقيَّة اللغات الأخرى، فمثلًا إذا ظهر الشيء واختفى تقول: لاحَ، وإذا نظر وأعرض تقول: لَمَحَ، وإذا نظر وتمطى تقول: استشرفَ، وإذا نظر ودقَّق بيديه تقول: استشفَّ، وإذا نظر مسرورًا تقول: حَدَّجَ، إذا نظر مع المحبَّة تقول: حدَّج، وفي الحديث الشريف:
(( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم ) )
[فقه اللغة عن ابن مسعود]
وإذا نظر مع المتعة تقول: رَنَا، وإذا نظر مع الدهشة تقول: حَمْلَقَ، حتَّى ظهر حملاق العين، وتقول: بَحْلَقَ، وتقول: حَدَّقَ، وإذا نظر بعينه وأدرك بقلبه تقول: رأى، الرؤية تعني العلم، رأيت العلم نافعًا، وإذا نظر مع الخوف تقول: شَخَصَ ..
{فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا}
[سورة الأنبياء: 97]
طبعًا ليس هناك مجالٌ في هذه العُجالة أن نتحدَّث عن خصائص العربيَّة التي اختارها الله لغةً لكلامه ..
{قُرْآَنًا عَرَبِيًّا}
أي واسع البيان، ولن يستطيع الإنسان أن يضع يده على دقائق النَظْمِ القرآني إلا إذا أتقن هذه اللغة العربيَّة، وعرف كيف تستعمل الأدوات، وكيف يكون التعبير، وكيف يكون الإيجاز والإطناب والاعتدال بينهما، وكيف يكون التصوير، وكيف يكون ضربُ المثل على كلٍ نظم القرآن، علمٌ قائمٌ بذاته، نظم القرآن، كيف نُظِمَت كلمات القرآن، وكيف صيغت جُمَلَهُ، وكيف جاءت أمثلته، وكيف وردت قصصه، فهناك دراسات مطوَّلة جدًا عن أسلوب القرآن البلاغي.
على كلٍّ ربنا عزَّ وجل قال:
{قُرْآَنًا عَرَبِيًّا}