وفي آية أخرى أيضًا يؤكِّد هذا المعنى فبعضهم يستمع ولكنه لم يسمع، أجل استمع ولم يسمع، كيف؟ كنت أضرب على هذا مثلًا، أنك لو قلت لأحد: إن على كتفك عقرب. فقال لك: أنا شاكر لهذه الملاحظة، وأنا مدين لك بالفضل لهذه البادرة الطيِّبة التي ذكرتها لي، وأنت إنسان كريم وفاضل. ولم يبادر لإزاحة العقرب التي على كتفه؟! معناها أنه لم يفهم ماذا قيل له، ما دام يجامله وهو هادئ ومرتاح، ويثني على ملاحظته القيِّمة، وعلى مبادرته الطيِّبة، فهذا لم يستمع لم يفهم قول القائل، فالمعنى أن الاستماع ليس أن تُصْغي والدليل:
{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}
[سورة التحريم: 4]
علامة الإصغاء هو السلوك:
{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}
[سورة التحريم: 4]
فإذا كان إنسان بحاجة ماسة لبيت، وبلغه أن هناك بيتًا ثمنه مئتا ألف، وهو يبحث عن بيوت من شهرين وأقل بيت بخمسمئة ألف، فالبيت بمئتين، لكن الدلال بالمخيم مثلًا وهو ساكن بالمهاجرين، والمواصلات سَيِّئة جدًا، فلما يعلم أن هذا البيت ثمنه مناسب جدًا ويخاف أن يسبقه أحد، فهو حينما يتوجه على قدميه مشيًا إلى صاحب البيت، هذا دليل على أنه فهم الموضوع تمامًا، فكل إنسان يتحرَّك بعد الاستماع يعني أنه قد سمع، وكل إنسان لا يتحرك فالمعنى أنه لم يسمع ولو أبدى إصغاءً مثاليًا، ولو أثنى وشكر وقال: تباركنا واستفدنا.
أجمل ما في الآية أنك إن تبت إلى الله عزَّ وجل فقد صغى قلبك إلى هذا الحديث:
أحيانًا تُجالس إنسانًا تقول له: هذه حرام، وهذه حلال، وآخرة، وجنَّة. تجده يقول: والله تباركنا، والله كأن النبي زارنا عندما تكرمت بهذه الزيارة يا سيدي، الله يبارك فيك ويخليك لنا. ولا تجده مغَيِّرًا شيئًا من أفعاله؛ دخلٌ حرام، واختلاطٌ، ولكن لسانه أحلى من العسل، فهل هذا استمع؟ والله لم يستمع إطلاقًا.