الإنسان وهو في بحبوحة يتحدَّث عن قوَّته، عن ماله، عن شأنه، عن ذكائه، عن خبرته، لكن إذا ألمَّت به المكاره قال: يا رب يا رب. أنت أحيانًا تلتقي مع إنسان له شأنٌ رفيع في المجتمع، كأن يشغل منصبًا رفيعًا مثلًا، وله رتبة عالية، فإذا رأيته مريضًا وجدته عبدًا لله عزَّ وجل، ويتضرع قائلًا: يا رب، فتقول في سرك: لم أكن أسمعه يقول هذا الكلام من قبل، بل كان يعتدُّ بنفسه، وقد حدَّثني أخ عن رجل من أشدِّ الرجال قسوةً، ومن أشدِّهم قوَّةً، ألمَّ به مرضٌ عُضال فزاره أصدقاؤه فإذا هو كالطِفْلِ الوديع، قلت: سبحان الله، ما الذي أعاده إلى فطرته؟ هذا المرض أعاده إلى فطرته، فالإنسان الكامل هو الذي يعرف حجمه قبل أن يُحَجِّمَهُ الله عزَّ وجل، الله يُحجِّم، لأن الله عزَّ وجل مربٍ، فأنت إذا عرفت حجمك كنت في بحبوحة، لقوله تعالى:
{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ}
[سورة النساء: 147]
أما إذا لم تعرف الله، وتبجَّحت بقوَّتك، وذكائك، وخبرتك، وعلمك، وأسرتك، ومالك، وأجهزتك، وبيتك، يأتي التحجيم من الله عزَّ وجل ليعرِّفك بعبوديَّتك، لذلك:
{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ}
الإنسان في أثناء المصيبة تُنْزَعُ منه كل الأقنعة المُزيَّفة، المال قناع مزيَّف، هناك مصائب لا يحلُّها المال، أنا كنت مرَّة عند طبيب فجاءه هاتف من أهل مريض، أنهم مستعدون للذهاب إلى أي مكان في العالم يرشدهم إليه لعلَّه تُجرى له عمليَّة، والمبلغ مهما كان كبيرًا ندفعه، قال لهم: والله لا أستطيع، الحالة متفاقمة جدًا وليس لها علاج لا عندنا ولا في أي مكانٍ آخر، فأين المال؟ ما قيمة المال؟!!