ولكن أيها الأخوة الأكارم، أتمنى على الله أن تقنعوا أن الهدف الأول من خلق الكون هو أن تتعرف إلى الله عن طريق التفكر فيه والاعتبار منه، الهدف الثاني هو أن تستفيد منه، لو أن الإنسان استفاد من الكّون من دون أن يتعرف إلى الله عزَّ وجل، ماذا أقول لك، لا أستطيع أن أعبر لك عن فكرة دقيقة، لكني أقول: لو معك شيك بمليار، وأنت استخدمته كمسودة ثم مزَّقته، يا ترى هذه الورقة الصغيرة أيهما أشد قيمةً أن تأخذ ثمنها مليونًا أم أن تستخدمها كورقة مسودة ثم تمزِّقها؟ أنت حينما تنتفع بالكون ولا تتعرف إلى الله من خلاله فحالك كمن استخدم الشيك كمسودة، هذا النفع محدود في الدنيا، حتى ولو وصلت إلى القمر، لو غُصت في أعماق البحار، لو ملكت أعظم الأسلحة، لو تحكَّمت بالعالم كله، أليس هناك موت؟ سبحان من قهر عباده بالموت، أليس هناك نهاية؟ لا بد من نهاية، كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.
الليل مهما طال ... فلا بدَّ من طلوع الفجر
والعمر مهما طال ... فلا بد من نزول القبر
إذًا هذا الكون نتعامل معه بنوعين من التعامل؛ تعامل نفعي، وتعامل مَعرفي، التعامل النفعي تنتفع به ما دُمت حيًا ترزق، تنتفع به ما دام قلبك ينبض، تنتفع بطعامه، بشرابه، بحدائقه، بمبانيه، بمقاصفه، بجباله الخضراء، بسواحله الجميلة، تنتفع به، تنتفع بهذه المُخترعات، مركبة فارهة، يَخْت جميل، طائرة ضخمة، مقاصف جميلة، بساتين، قصور شاهقة، وسائل حديثة، تنتفع به كله، ولكن ماذا بعد الموت؟ هنا المشكلة، لو أن الحياة الدنيا هي كل شيء، لكان الذين انتفعوا بالكون هم أذكى الأشخاص، ولكن لأن الحياة الدنيا ظلٌ زائل، وعاريةٌ مستردة أمدها قصير، وشأنها حقير، فمن أقبل عليها إقبال النهم، من اتَّجه إليها اتجاه اللهفان، فوجئ بعد نهاية المطاف أنها ليست كل شيء، وأن الدار الآخرة لهي الحيوان، هي الحياة الحقيقة.
ما قولك أن يقول الإنسان عند الموت: