ولكنَّ المؤمنين فضلًا عن أنهم عبيدٌ لله هم عِباد الرحمن، عرفوه فأقبلوا عليه بمحض اختيارهم، عرفوه فأحبُّوه فأطاعوه، عرفوا عظمته فخضعوا لها، عرفوا كماله فأحبُّوه، عرفوا أنه هو الواحد الأحد فأخلصوا له، هذه العبادة، العبادة شيء والعبوديَّة شيء.
أن تكون حياتك متوقِّفةً على إمداد الله فأنت عبدٌ لله، وجمع العبد عبيد، أما أن تتعرَّف إليه، وأن تقبل عليه طائعًا، أن تقبل عليه مختارًا، أن تأتيه بمبادرةٍ منك، أن ترى وحدانيَّته فتُخلص له، أن ترى جماله فتحبًّه، أن ترى كماله فتميلُ إليه، هذه عبوديَّةٌ، وجميع هؤلاء الذين يعبدونه بهذه الطريقة عِباد وليسوا عَبيد، لذلك كل الخلق عبيدٌ للرحمن، ولكن عباد الرحمن قلائل، هم الذين عرفوه فأقبلوا عليه.
إذًا أنت عليك أن تعبده في الظاهر، وأن تُخلص له في الباطن، القلب يعبده بالإخلاص، والجوارح تعبده بالطاعة، طاعةٌ في الظاهر وإخلاصٌ في الباطن، هذا هو سرُّ وجودك، وهذه هي مهمَّة وجودك، وهذا هو الهدف من وجودك، وإذا ارتقيت إلى هذه المرتبة ارتقيت إلى مرتبة ما بعدها مرتبة، وإذا ارتقيت إلى مرتبة العبوديَّة فقد حقَّقت ذاتك، إذا ارتقيت إلى مرتبة العبوديَّة فقد حقَّقت المُراد من خلقك.
أيها الأخوة الأكارم، النفس الإنسانيَّة لا ترتاح إلا إذا شعرت أنها في مجال العبوديَّة، لذلك روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أن الله جلَّ جلاله حين الإسراء والمعراج، أو عندما بلغ سِدرة المنتهى قيل له: اطلب يا محمَّد، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهمَّ اجعلني عبدًا لك، أي أن العبودية أعلى مرتبة.
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
[سورة الحجرات: 13]
وأنت الآن بإمكانك أن تصل إلى أعلى مرتبةٍ، ولا سبيل إليها إلا بالطاعة لله عزَّ وجل، أنت كعبدٍ عليك أن تعبد الله، لذلك هناك آيات كثيرة تحث على العبادة، قال الله عزَّ وجل:
{بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ}