هاتان القصتان جعلهما الله قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، من أجل أن يتخذ المؤمنون هاتين القصتين نبراسًا لهم في حياتهم، فلا ينشغلوا بالعمل الصالح عن عبادة ربهم، وقد ذكرت لكم في درس سابق أن أروع كلمة سمعتها في هذا المجال من أصحاب النبي عليهم رضوان الله قول سيدنا عمر، لما جاءه رسول أذربيجان ليلًا في منتصف الليل، وكره هذا الرسول أن يطرق باب الأمير في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ذهب إلى المسجد فرأى رجلًا يصلي ويناجي ربه ويقول: ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزِّيها، ما رأى شكله، فقال له: مَن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، قال: يا سبحان الله، يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل، فقال عمر رضي الله عنه: إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي.
أي رعيتك لها عندك حق، ونفسك لها عندك حق، وهذا معنى إن لله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملًا بالنهار لا يقبله بالليل، لليل أعماله وللنهار أعماله، للصلاة طعمها وللعمل الصالح طعمه، فإذا اكتفيت بالصلاة ولم تعمل صالحًا أتيت يوم القيامة مفلسًا، وإن اكتفيت بالعمل الصالح ولم تتقن صلاتك جَّف قلبك وانعكس هذا على عملك، تمامًا كشحن هذا البطارية، إن شحنتها بالعبادة أعطتك قوة بالأداء، فإن لم تشحن ضعفت قوتها، يصح هذا المثل جيدًا، أنت بطارية، العبادة تشحنها والحركة النشيطة تظهرها، فإن قصرت في شحنها ضعفت حركتها، وإن أجهدتها في الحركة دمرتها، لا بدّ من شحنها ومن تدريبها، لو أنها لا تعمل تتخرب، لا بدّ من أن تشحن ولا بدّ من أن تعمل، فالعمل يصونها والشحن يقويها.
هاتان القصتان متكاملتان، يجب أن نتوازن بين العبادة والعمل بشكل أو بآخر، في الإسلام نواحٍ علمية، وهناك نواحٍ انفعالية، وهناك نواحٍ سلوكية.