ربنا عز وجل لعلمه بأن هذا النبي الكريم يؤثر جانب التعبد على جانب خدمة الخلق أراد أن يلفت نظره، أراد أن يضعه في ظرف يكشف له تركه للأولى، فجعل له هذه القصة، سيدنا داود وهو في محرابه، والمحراب مكان العبادة، مكان محاربة الشيطان، أوجه غرفة في البيت كما تروي كتب اللغة، أي أشرف غرفة يقال لها محراب، أو أشرف مكان في الغرفة يقال له محراب، فالإنسان يذكر الله عز وجل ويتعبد في مكان طيب طاهر بعيد عن الضوضاء سماه الله عز وجل محرابًا، ومنه سمي المحراب في المسجد محرابًا لأنه أشرف مكان في المسجد، فالله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام يقول له:
{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا}
معنى تسوروا أي تسلقوا سور المحراب، ما دخلوا عليه من بابه ولكن تسوروا، قال بعضهم أنه منعهم من دخول محرابه، فجاءه هذان الشخصان فتسورا المحراب.
بالمناسبة هناك أقوال كثيرة جدًا حول هذه القصة، بعضهم قال: اللذان دخلا المحراب ملكان طاهران، وبعضهم قال: إنهما رجلان حقيقيان، وبعضهم قال: إنهما ملكان في صورة رجلين.
دائمًا وأبدًا القصة لها مغزى، وفيها تفصيلات، وفيها تفصيلات لم تذكر، فيها تفصيلات ذكرت وتفصيلات لم تذكر، فالتي لم تذكر لا حاجة لها إطلاقًا، وينبغي أن نسكت عما سكت عنه الله، لو أن فيها فائدة لذكرها الله عز وجل، فالجزئيات والتفصيلات التي لم تذكر لسنا بحاجة إلى ذكرها، ولا إلى البحث عنها، ولا إلى التنقيب فيها. والتفصيلات التي ذكرت نكتفي بها، لكن بعيدًا عن التفصيلات يجب أن نتجه إلى الكليات، يجب أن نتجه إلى القصد النبيل الذي أراده الله عز وجل من هذه القصة، إذا قرأنا قصة في القرآن ووضعنا أيدينا على مغزاها أو على الهدف الكبير التي أراده الله منها فقد قرأناها، أما إذا ضعنا في تفاصيل الجزئيات، وفي روايات الإسرائيليين، وفي تخرصات المتأولين، أي إذا دخلنا في هذه التفاصيل ننسى الهدف الكبير الذي وراء هذه القصة.