تنهى نهيًا ذاتيًا، وأروع ما في الدين هذا النهي الذاتي ـ الوازع الداخلي ـ مثل بسيط: أعرابيٌ راعي غنم، أراد ابن عمر ـ كما تروي الروايات ـ أن يمتحنه فقال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها. قال: ليست لي. قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب. قال: ليست لي. قال: خذ ثمنَها. قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله؟
فعظمة هذا الدين كله مترَكِّزة في الوازع الداخلي، رجل أعطاني ورقةً، أو وضع على طاولتي ورقة قبل سنوات، وأنا محتفظٌ بها، قال: والله أديت لورثةٍ عشرين مليونًا لا يعلمون عنها شيئًا، ولست مُدانًا في الأرض بها، ولا محاسبًا عليها، ولا مطالبًا بها، ها هو الوازع الداخلي. أعظم شيءٍ في الدين، الوازع الداخلي، فقد تجد إنسانًا في رمضان، وفي الحمام، والماء بارد كالزلال، وهو صائم، هل يستطيع أن يدخل في فمه قطرةً واحدة؟ فمن يراقبه؟ الله جل جلاله، فلا تجد إنسانًا يمكن أن ينضبط كالمؤمن، لأن الله معه، أما اجعل الضبطَ ضبطًا خارجيًّا، فمستحيل.
الدين مبني على الوازع الداخلي:
لو تخيلنا أنه ليس في الإسلام قيَم، وأراد أولو الأمر أن يفرضوا الصيام من أجل صحة الناس، ونقاء أجسامهم، فهل يستطيع ولي أمر المسلمين في أي زمانٍ أو مكان أن يحقق هذا الأمر؟ طبعًا الإنسان لا يشرب أمام الناس، أما إذا دخل بيته فيشرب، ويأكل، ويفعل كل شيء، فما هذا الدين الذي يجعل الإنسان مراقبًا وهو في فراشه، أو بيته، أو في أداء حاجاته؟ إنّه الدين، الدين مبني على الوازع الداخلي، أساس هذا الوازع:
{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}
[سورة العنكبوت: 45]