كلما ضاقت بالإنسان الأمور ليذكر هذه القصة، مهما بلغت المصيبة ليست أشد من أن تكون في بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل، وإذا أراد الإنسان أن يعرف ما معنى البحر في الليل، ليركب من طرطوس لجزيرة أرواد في الليل فقط، البحر في الليل موحش جدًا، ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، ولكن دائمًا يجب أن تشعر أن الله عز وجل لما يعالج إنسانًا فمثله ـ ولله المثل الأعلى ـ مثل الأب يمسك ابنه من يده، ويقربه من الساقية، يخاف الابن، لكن رحمة الأب، وحرص الأب على سلامة ابنه، هي أشد بكثير من الخطر الذي يراه ماثلًا أمامه، ربنا يعالجنا جميعًا، ولكن لا يتخلى عنا، يعالجنا بالمرض، ثم يشفينا، يعالجنا بالفقر، ثم يغنينا، بالخوف، ثم يطمئننا، فإذا وقع الإنسان بحرج، بمشكلة فله في هذا النبي الكريم أسوةٌ حسنة ..
{فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}
2 ـ معنى: وَهُوَ مُلِيمٌ
أي أنه أتى بعملٍ يلام عليه، لأنه غادر قومه قبل أن يأذن الله له، ضجر منهم.
أحيانًا الواحد يتكلَّم مع شخص كلمتين فينفر منه، ويبتعد عنه، عيشة الفهيم مع البهيم داء دفين، لا يتحمل.
على كلٍ، لا ينبغي أن نشغل بتفاصيل وقوعه في البحر، شاءت مشيئة الله أن يقع في البحر، قرعة، بغير قرعة، ألقوه، ألقى نفسه، مهما شئتم هذه التفاصيل لا تعنينا، يعنينا أن الله أراد له أن يقع في البحر، وإذا شاء الله شيئًا فلابُدَّ من أن يقع، كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع.
إذا كانت وجبة الحوت المعتدلة أربعة أطنان، فماذا يفعل سيدنا يونس معه، فهو كالسمسمة بين أسنانك، لقمة، بل أقلّ من لقمة، إذا رضعته الواحدة ثلاثمائة كيلو، يحتاج ثلاثة رضعات في اليوم، أنثى الحوت ترضع وليدها ما يقرب من طن حليب يوميًا، فلذلك الله قال:
{فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}