أنا أعرف رجلًا رعى امرأةً ليس لها أحد يحنو عليها، بل هي كما يقال في عُرفنا: مقطوعة، تسكن في غرفة في مسجد، وكان الرجل يسكن إلى جوار المسجد، رعاها أكثر من عشرين عامًا، ثمَّ انتقل إلى حيٍّ بعيدٍ بعيد، وقد عاهد الله على أن يتابع رعايته لها، فصار يخرج من بيته في حيِّه الجديد مشيًا على قدميه إلى مكان إقامتها ليرعاها، بذل أهله كل ما في وسعهم ليصرفوه عن هذا العمل، بيتك صار بعيدًا، كبرت سنك، كفاك ما قدمت، واللهُ لا يكلفك فوق طاقتك، أبدًا سأثابر، فلمَّا رأوا منه إصرارًا لا حدود له، ووفاءً بالعهد لا حدود له، امرأة على حافة قبرها، فقالوا له: أمرُنا لله عزَّ وجل، فائت بها إلى البيت رحمةً بك، فجاؤوا بها إلى البيت، ما هي إلا أيَّام حتَّى توفَّاها الله عزَّ وجل، أما هو فقد وطَّنَ نفسه على أن يخدمها إلى ما شاء الله.
في بعض التجارب يضعك الله عزَّ وجل أمام اختيار صعب جدًا، فحينما تؤثر مرضاة الله عزَّ وجل يكون الحل سهلًا جدًا، والله عزَّ وجل أظهر صدقك، أظهر وَرَعَك، أظهر خوفك، ثمَّ صَرَفَ عنك هذه المتاعب كلَّها، من هذا القبيل هناك تجارب كثيرة، الإنسان يؤثر طاعة الله، فإذا هذه الطاعة التي تبدو لك متعبةً جدًا يقلبها إلى مهمة مريحة، وأنت لا تدري.
أخ كريم ذكر لنا قصَّته، فقد اضطر من أجل أن يشتري بيتًا إلى معاملة غير شرعيَّة، فلمَّا عرف أنها غير شرعيَّة قال: يا رب، لا أريد البيت، ولا أعصيك أبدًا، فلمّا وصل إلى محلِّه التجاري، فإذا إنسان ينتظره، ويقول له: أنا معي هذا المبلغ سأضعه عندك أمانة لسنتين، وأُناشدك الله أن تستعمله، فحينما وُضِعْت أمام ظرف صعب؛ إما أن يضيع منك هذا البيت، وإما أن تعصي الله، لا، فلن أعصي الله وليضِع هذا البيت، فإنَّ الله عزَّ وجل وضعك في اختيارٍ صعب ثمَّ هيَّأ لك البديل.