لو أن هذا الابن جاء ليأكل مع والديه فقال له: يا بني لا تأكل معنا اجلس هناك، هذا أمر غير منطقي، فما السبب؟ أنا جائع، والطعام موجود، وليس معكما أحد، لماذا لا آكل؟ هذا الأمر غير المنطقي، وغير الواقعي، غير المعلَّل هذا الأمر يمتحن طواعية الابن لأبيه، هناك ابن يقول: لماذا لا آكل معكم؟ فأنا لا أجد مانعًا، أقنعني، هناك ابن مستواه أرقى بكثير يقول له: سمعًا وطاعةً يا والدي، ولو لم يفهم، أيهما أرقى في الطاعة؟ الذي امتثل أمر والديه دون أن يفهم حكمتهما.
يا أيها الإخوة الأكارم، هذا موضوعٌ دقيق، فالله عزَّ وجل أمرنا بأوامر منطقيَّة، ومعقولة، وواضحة، وبيِّنة، نتائجها ملموسة، معلَّلة في القرآن، ومعظم الناس يتوانون عن الأخذ بها، لكن أحبابه الذين ذابوا في حبِّه، وأقبلوا عليه، واستسلموا لمشيئته، وسبحوا في أسمائه الحُسنى، وفنيت ذواتهم في القرب منه، هؤلاء مستعدون أن يضحوا بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، امتثالًا لأمر الله عزَّ وجل، لذلك هذا نموذج من الحب، نموذج من القرب، نموذج من العبوديَّة لله عزَّ وجل.
قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
فعلى أي مقياس لا يُقْبَل هذا الأمر، ابنه، فلذة كبده، ابنه الوحيد الذي بشَّره الله به، ابنٌ كامل، نبيٌّ كريم، لماذا أذبحه؟ الآن إذا أحد الآباء قال لابنه: والله أنا سأذبحك يا ابني، يقول لك: أبي جُنَّ، فبأيّ مستوى إذا كان إبراهيم وابنه؟
{قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}
رؤيا الأنبياء أمر، وبعض العلماء قال: إنه لم يقل: إني رأيت في المنام أني أذبحك، بل قال:
{إِنِّي أَرَى}
أني رأيت الرؤيا مرَّةً ومرَّتين وثلاث مرَّات ..
{إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى}
استمعوا إلى كلام الابن.
{قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ}