تركب طائرة أحيانًا فتحس بقلق، فتسأل نفسك: لماذا أنا ركبت الطائرة؟ تركب باخرة فتحس بقلق، لكنك لا تطمئن إلا إذا وقفت على الأرض، والذين يركبون الطائرات لا تطمئن مشاعرهم إلا إذا شعروا أن عجلات الطائرة قد دَرَجَت على المطار، فنقول: الحمد لله على السلامة، مشينا على الأرض، هذه الأرض التي هي مصدر أمنٍ وطمأنينة، تصبح في ثوانٍ مصدر قلق، فيمكن المصاب الذي أصاب إخواننا في مصر أن يصيبنا، والذعر النفسي أشد من أي شيء آخر، الذعر النفسي قاتل، فربنا عزَّ وجل بيده كل شيء.
ذات مرة سأل سيدنا عمر، عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال له:"صف لي مصر"، قال:"يا أمير المؤمنين، مصر طولها شهر ـ أي طولها مسيرة شهر ـ وعرضها عشر ـ أي عشرة أيام ـ يخطها نهرٌ ميمون الغدوات، مبارك الروحات، إذا هي عنبرةٌ سوداء ـ تربتها داكنة، يأتي النيل فيفيض عليها ـ ثم هي درةٌ بيضاء، ثم هي زبرجدةٌ خضراء، فتبارك الله الفعال لما يشاء".
الله عزَّ وجل قال:
{أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا}
(سورة النمل: من الآية 61)
الأصل في الأرض أنها مستقرة، الأرض تسير حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو متر بالثانية الواحدة، الواحد منا يحضر الدرس ساعة، الساعة ستون دقيقة، الدقيقة ستون ثانية، ستون ضرب ستين ثلاثة آلاف وستمائة، ضرب ثلاثين، اضرب ثلاثة بستة وثلاثين وضع ثلاثة أصفار، هذا ما قطعته الأرض في درس واحد، أي أن ستة وثلاثين بثلاثة تقريبًا مائة وثمانية، مائة وثمانية وثلاثة أصفار، مائة ألف وثمانية آلاف كيلو متر، وأنتم في هذا المجلس، وأنتم في هذا الدرس، نقطع جميعًا ـ هذه حقيقة بديهية ـ نقطع جميعًا في الفضاء الخارجي مائة ألف وثمانية آلاف كيلو متر ونحن في أدق استقرار، ولا حركة في الجدران، فالجدران كلها قائمة، بناء من ثلاثمائة سنة ولا حركة، أو خلل، أو ركنا، أو أزعجنا رغم هذه السرعة في مسار الأرض.
{أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا}