إذًا: نحن وقفنا عند الزينة، الإنسان يستنبط أشياء كثيرة، طعامك فيه زينة، الإنسان يضع في بعض الأحيان على المائدة فواكه، قبل أن تأكلها تراها جميلة جدًا، وهناك كثير من المحلات يضعون ألواحًا زيتيَّة فيها صور فواكه، ومعنى هذا أن الفاكهة التي تأكلها لها منظرٌ جميلٌ جدًا، أحيانًا الأشجار المثمرة جميلة جدًا، في قِوامها، وفي مجموعها الخضري، وفي شكلها الكروي، أو شكلها المنبسط، أو البيضوي، الأوراق جميلة جدًا، كل شيء في الكون يؤدِّي وظيفةً تلمح فيه جمالًا أساسيًا، وهذا الجمال الذي نلمحه في الكون دليل وجود خالقٌ عظيم، وإن الله جميلٌ يحبُّ الجمال، ولكن هناك جمال الأفعال، وهناك جمال الأقوال، يقولون: جمال الرجل فصاحته، الفصاحة جمال في الإنسان، فأنت تشعر أن الفصاحة شيءٌ عظيم.
وقد دخل وفد على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فتقدَّم هذا الوفد غلامٌ صغير، فتألَّم الخليفة وانزعج وقال:"اجلس أيها الغلام، من أنت؟ ليقم من هو أكبر منك سنًَّا"، قال الغلام بأدبٍ جم:"أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لسانًا لافظًا، وقلبًا حافظًا فقد استحقَّ الكلام، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمَّة من هو أحقُّ منك بهذا المجلس"، ما هذا الجمال؟ أعجب بفصاحته.
ومرَّ سيدنا عمر على أطفالٍ يلعبون، فتفرَّقوا إلا واحدًا، جذب نظره، فلما وصل إليه قال له:"يا غلام، لمَ لم تكن مع مَن هرب؟"، قال له:"أيها الأمير، لستَ ظالمًا فأخشى ظلمك، ولست مذنبًا فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك". (الطريق واسع، تفضَّل مر) الفصاحة جمال.