كنت أمشي في الطريق فسمعت رجلًا يصيح بأعلى صوته إثر مشكلةٍ أو مشادةٍ حول يتيمٍ، فقال كلمة هزت مشاعري، قال:"وجدت إنسانا ليس له أب أليس له رب؟"، ومنذ أن سمعت هذه الكلمة وحتى الآن أشعر أن الله هو الرب، وأنه ليس عند الأب من الرحمة والعلم والحرص شيء يذكر أمام رحمة الله عزَّ وجل، فلو وجدت الطفل يتيمًا فله ربٌ يربِّيه، ويدله على الخير، ويحفظه ويأخذ بيده.
وأنت أيها الأخ الكريم إذا رأيت إنسانًا ضعيفًا فلا تستهن بضعفه، فله رب يأخذ بحقه، وإن رأيت إنسانًا مقطوعًا، كما لو تزوَّجت امرأةً ليس لها أهلٌ كُثُر، وليسوا أقوياء، لا تقل: هذه مقطوعة، فلها رب، والرب ينتقم، فالله رب العالمين.
أما الإله ـ ارتقينا ـ الخالق خلق، والرب أمد، وربى كل أنواع التربية، من تربيةٍ جسميةٍ، إلى تربيةٍ عقليةٍ، إلى تربيةٍ نفسيةٍ، إلى تربيةٍ شعوريةٍ، لكن الإله هو الذي تعود الأمور كلها إليه، الأمر راجعٌ إليه، وهو بيده، وبيده ملكوت كل شيء.
أيها الإخوة، أنا أقول لكم هذا المثل المتكرر على هذا المعنى: إذا دخلت إلى دائرةٍ حكومية، وأنت في أمسِّ الحاجة إلى أخذ موافقةٍ على السفر، فإذا قيل لك: هذه الطوابق الثلاثة على ما فيها من موظفين، ورؤساء دوائر، وكتبة، وحُجَّاب، ورؤساء أقسام، ومعاون مدير عام، لا يستطيع أحدٌ أن يكتب لك مع الموافقة إلا إنسان واحدًا، إنه المدير العام، فبربك هل تتجه إلى أحدٍ غيره؟ هذا شأنك مع بني البشر، وهذا شأنك من أجل موافقة سفر، فكيف لو علمت أن كل أعضائك بيد الله، وأن كل أجهزتك الدقيقة بيد الله، وأن عمل كل الأعضاء الخطيرة بيد الله، فمن يستطيع أن يُحْكِمَ دَسَّام القلب؟ من يستطيع أن يبقي هذه الأوعية مرنة؟ ومن يحفظ لك أجهزة التصفية؟ من يضمن للإنسان ألا تنمو الخلايا نموًا عشوائيًا، فإذا هو مرض خبيث؟ من يضمن لك ألا يفقد بصره؟ قل اللهم مالك الملك، الله هو الذي يملك كل هذه الأعضاء والحواس.