يا أخوان بالمناسبة كلمة الشعر هنا ليست مقصودة لذاتها، دائمًا الإنسان له نوازع شهوانية ونوازع رحمانية، النوازع الرحمانية متمثلة بالحق، بالقرآن، بالسنة، والنوازع الشهوانية متمثلة بالشعر، كلام مزين مزخرف، ممتع لكن ليس فيه حقائق، فيه أباطيل، فيه دجل، فيه تزوير، مثلًا هناك شاعر يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي و أسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفون عن شواردها و يسهر الخلق جراها ويختصم
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
القصيدة طويلة جدًا كلها فخر. هذا الشاعر كان مرة بين البصرة وحلب في رحلة فخرج عليه عدو فولى هاربًا، قال له غلامه: ألم تقل: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي؟ ألم تقل الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم؟ قال: قتلتني قتلك الله فعاد فقاتل حتى قتل، كلام فارغ، فالشعر ليس المقصود بذاته، الشعر أي كلام فارغ، أي كلام مزخرف، مزين، مشقق، مدعم بالشواهد والطرائف والنكت، لكن ليس فيه حقائق، فكلام الناس، محاضراتهم، ندواتهم، أحاديثهم، مناقشاتهم، مجلاتهم، كتبهم، كلها تتحدث عن شهواتهم، وعن أباطيلهم، وعن نزواتهم، وعن فراغهم، وعن انحرافهم، فهذا كله جمع في كلمة الشعر. قال تعالى:
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) }
(سورة الشعراء: الآية224)
أعذب الشعر أكذبه:
مرة شاعر هجَّاء لم يبق أحد إلا وهجاه حتى أمه هجاها، ما بقي إلا أن يهجو نفسه قال:
لي وجه قبح الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله
هذا هجاء، بالجاهلية شخص مرة مدّ رجله وقال: من كان أشرف مني فليضربها، بقيت حرب بين القبائل عشر سنوات، أحرقت الأخضر واليابس، هكذا كنا في الجاهلية، جاهلية عصبيات، انحيازات، فخر، باطل، إنسان تافه ينفخ نفسه. توفيت أم المعتصم مرة، بعض الشعراء قال فيها:
ولو أن النساء كمن فقدن لفضلت النساء على الرجال
وأخفت أهل الشرك حتى أنه لتخافك النطف التي لم تخلق