والشيب نذير، فما حكمة الله في شيب الشعر؟ طريقة لطيفة جدًا، إشعار لطيف جدًا من قِبل المولى جل وعلا أن يا عبدي قد اقترب اللقاء، فهل أنت مستعد؟ أحيانًا في بعض القرى الكهرباء ليست مستمرة في الليل، فالساعة الثانية عشرة ينقطع تيار الكهرباء، فقبل عشر دقائق تطفأ ثانية واحدة، يعني استعدوا، هيئوا أغراضكم، توجهوا إلى السرر، فهذا الإطفاء المؤقت لثوان معدودة قبل الإطفاء النهائي نذير، إنذار مبكر، فربنا عز وجل لرحمته بعباده جعل كل هذه الإنذارات، فالشيب إنذار، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:
"أن عبدي، كبرت سنك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك، فاستحي مني فأنا أستحي منك".
هذا يضع نظاراته، هذا ظهره منحنٍ، هذا سمعه ضعيف يحتاج إلى مقوٍ للسمع، هذا معه ديسك في فقراته، هذه كلها نذرٌ من الله عز وجل أنَّ اللقاء اقترب يا عبدي، فإذا أعطى الله الإنسان صحةً تامة فما شكا شيئًا طوال حياته، ثم جاء الموت فمات فجأةً فليس هذا في صالحه.
أيها الإخوة، ليس هذا في صالحه أبداَ، لعل المرض يحمله على التوبة، لعل هذه المشكلة تدفعه إلى الطاعة، لعل هذا يمنعه عن فعل الإساءات، لعل هذا يحجزه عن اقتراف الموبقات.
5 ـ موت الأقارب:
وقال بعض العلماء: وموت الأقارب هو النذير.
الله عز وجل كان بإمكانه أن نأتي إلى الدنيا دفعةً واحدة، وأن نغادرها دفعة واحدة، ولكن شاءت حكمة الله أن نأتيها تباعًا، وأن نغادرها تباعًا، ففلان توفاه الله كان بيننا، الأقرباء البارحة كنا معًا، منذ أسبوع كنا معًا في نزهة ثم جاء أجله:
ما بين غمضة عين وانتباهتها ... يبدل الله من حال إلى حال
يكون الإنسان ملء السمع والبصر، معروف، وله مكانته، فجأةً صار خبرًا على الجدران، الله تعالى قال:
{وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ}
(سورة المؤمنون)
كان إنسانًا مخيفًا له تصرفاته، وله هيبته، والناس يرهبون جانبه، ويحسبون له حسابًا.