هنا يطالعنا سؤال: أيها الإنسان إياك أن تظن أن هذا الأجل إلى مالا نهاية، وأن هذا الاختيار مُنِحْتَهُ إلى ما لا نهاية، لا، الاختيار محدود، ينتهي عند الموت:
{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}
(سورة البقرة: 148)
ولِّ وجهتك كيف ما تشاء، افعل ما تشاء، اعملوا ما شئتم، هذا أمر تهديد، افعل ما تشاء، كله عليك مسجّل، كله محسوب عليك:
{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}
ما دمت مخيَّرًا، وما دمت ممنوحًا هذه الحرية، وما دام بإمكانك أن تؤمن، وأن تستقيم، وأن تتوب، وأن ترجع، وأن تصطلح مع الله، وأن تؤدي الحقوق، وأن تصلح ذات بينك:
{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}
إياك أن تظن أيها الإنسان أن هذا الاختيار مُنحتهُ إلى الأبد، لا، هذا الاختيار منح لك بشكل مؤقت، مُنح لك في الدنيا، فإذا جاء الموت أُلغِيَ الاختيار.
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}
(سورة الفاتحة: 7)
وأصبحت في قبضة الله عز وجل، تمامًا كما لو أن الطالب في قاعة الامتحان يجيب عن الأسئلة، فبإمكانه أن يكتب، وأن يصحح، وأن يضيف، وأن يحذف، وأن يحل هذه المسألة، فإذا قرع الجرس، وسحبت الورقة من بين يديه، وانتهى، وصححت، ونالت علامة ثابتة، فإما أن ينجح، وإما أن يرسب:
{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}
لكن هذه الوجهة أنت مخيّر فيها، ولكن هذا الاختيار ليس أبديًا، منح لك لوقت محدد، لهذا جاء قوله تعالى:
{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}
لأنه:
{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}
(سورة النساء: 78)
الآية دقيقة جدًا، الآن أنت مخير، واختيارك ينتهي عند الموت، وإذا جاء الموت طالك أينما كنت، في فراشك، في الطائرة، في بلد أجنبي، قبل الزواج، بعد الزواج، بعد نيل الدكتوراه، قبل مزاولة العمل، قبل العرس بيوم:
{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ}
إذًا:
{وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}