الإمهال غايته الاستدراج للكافرين، فما دامت الدنيا دار تكليف، وليست دار تشريف، ما دامت الدنيا دار امتحان، مادامت الدنيا دار ابتلاء، مادامت الدنيا قصيرة ومحدودة، ولابد من أن تنتهي، فماذا يبقى؟ العمل، فكأن الله سبحانه وتعالى وقد ربّى النبي عليه الصلاة والسلام فخفَّف عنه بعض آلامه، وواساه، وسلاّه بهذه الآية:
{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ}
وأنت أيها المؤمن إذا قرأت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا قرأت سيرة أصحابه الكرام، ووجدت أن مِن أصحاب النبي مَن لاقى المتاعب، مَن تحمل الشدائد، مَن تجشم المشاق، مَن خسر الدنيا كلها، لأنه آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، هؤلاء الذين هاجروا تركوا ديارهم، وأموالهم وأولادهم، وجاءوا إلى المدينة فقراء، ليس لهم عمل، وليس لهم دار، هكذا الدنيا.
أنا أحب أن أطمئِن كل أخ مؤمن على أنه إذا استقام على أمر الله، فالله جلا وعلا يتولى شؤونه ويحفظه، ويرعاه، ويؤيده، وينصره، لكن لا تنسوا أن هذا التطمين لا يعني أنك لن تمتحن، ولن تجرب، أو أنّك لن توضع على المحك.
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}
(سورة العنكبوت: 2)
أنت صالحٌ جدًا، وأنت غني في فترةٍ ما، فما هي حالتك إذا جاءك الفقر، وأنت صالحٌ جدًا، وأنت صحيح، فما حالك إذا جاءك شبح مرض، هل تنسى ربك؟ ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: (( والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهرهُ الله أو أهلك دونه ) ).
[السيرة النبوية]
هذا شأن المؤمن، وهو موقف للنبي، والنبي يعلّمنا.
{مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}
(سورة الأحزاب: 23)