الدنيا فيها حظوظ، المال حظ، بمعنى نصيب، وفيها القوة، وفيها الجمال، وفيها الذكاء، وفيها البيت، وفيها الزوجة، وفيها الأهل، هذه الدنيا لها حجم عند الله، فما الغرور؟ أن تراها بحجم كبير جدًا، أكبر من حجمها، إن عرفت حجمها، إن رأيتها زائلة، وماضية، وإن رأيتها ممرًا وليست مقرًا، وإن رأيتها دار عمل، وليست دار جزاء، إن رأيتها سرادقًا إلى الجنة، إن رأيت الدنيا مزرعة الآخرة، فهذه رؤية صحيحة، وهذا حجمها الحقيقي لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ) ).
[سنن الترمذي عن سهل بن سعد]
فهي لها حجم، مالُها قد ينفع المؤمن في بلوغ الجنة، والعلم فيها ينفع المؤمن، وهي مزرعة الآخرة، ليس بخيركم مَن ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يأخذ منهما معًا، فإنّ الأولى مطية للثانية، أما أن نلتفت إلى الدنيا وحدها، وأن ننسى الآخرة، وأن نجعلها كبيرة جدًا، تطغى على كل أهدافنا، وننسى ربنا من أجلها عندئذ وقعنا في الاغترار، والاغترار أن ترى الدنيا بحجم أكبر من حجمها الحقيقي، أو ألاّ تعرف حقيقتها، ولا سرَّ وجودك فيها، ولا طبيعتَها المتقلبة، أما الغَرور هو الشيطان.
على كل لنا مع هذه الآية وقفة متأنية إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، إلا أن الشيء الذي لابد من ذكره أن ربنا عز وجل يحذرنا من أن نرى الدنيا بحجم أكبر من حجمها، ويحذرنا أن نقع في المعاصي، وأن نطمع في مغفرته، وهذا فعل الشيطان، الغرور، يدفعك إلى المعصية، ويقول لك: سيغفر لك، أما إذا جاء يوم القيامة فتفاجئك، ويلاُته، والشيطان يتبرّأ مما فعلت.