لا بد من مغادرة الدنيا، لا بد من مغادرة بلا عودة، ولما يموت الإنسان مساء لا يقول أحد: لماذا لم يأتِ فلان، وقد تأخر، يقولون: لا يرجع، ما أحد يقول: تأخر، أما قبل أن يموت مثلًا الساعة العاشرة يقولون: ليس بالعادة أن يتأخر، يخبّر أو يتصل، ما دام حيًا، أما إذا خرج من البيت أفقيًا فلا يقول أحد مساء: أين فلان؟ لن يعود، فإنه انتهى:
{إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}
وعدنا بالموت، لكن بين أن يكون الموت عرس المؤمن، وقمة سعادته وساعة لقائِهِ مع ربه، وبين أن يكون الموت أسوأ أوقات حياته، فالموت يتحدد بطريقة الحياة التي تحياها، فإذا أمضيت العمر في طاعة الله عز وجل، كان الموت عرس المؤمن، وكان القبر روضة من رياض الجنة، وكان البرزخ جنة، وإذا أمضى الإنسان حياته في معصية الله كان الموت أكبر مصيبة، وما بعد الموت أخطر من الموت نفسه.
{فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}
فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
الحقيقةُ أنّ الدنيا تغر وتضر وتمر، والناس دائمًا يرونها بحجم كبير جدًا، أكبر من حجمها الحقيقي.
دخل الصحابة على سيدنا أبي عبيدة الجراح فرأوه يسكن غرفة، وهو قائد جيش المسلمين، يسكن غرفة فيها قدر ماء مغطى برغيف خبزٍ، وسيفه معلق على الجدار، ويجلس على جلد غزال، فقيل له: ما هذا؟ قال: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير، ألا يبلّغُنا المقيل؟ يقول الله عز وجل:
{فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}
أيها الإخوة، هذه الآية تحتاج إلى تفصيل طويل، على كلٍ نقف عند كلمةٍ واحدة منها:
{فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}
1 ـ الدنيا حظوظ، والغرور أن تراها بغير حجمها الحقيقي: