تخوض أشد المخاوف والأخطار مع رحمة الله، فإذا أنت في أمن وسلام، وتعبر دون رحمة الله المناهج والمسالك فإذا هي الهوالك، في الطريق الواضح المضاء، في رابعة النهار، ولك مركبة من أحدث المركبات تقع مشكلة تقضي على معظم ركابها، وقد تمر بأهوال شديدة، وبطرق وعرة، ومع ذلك سلامة وراحة، فالأصل أن تنال رحمة الله عز وجل:
{إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ}
(سورة الأعراف: 56)
4 ـ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ
لا ضيق مع رحمة الله، إنما الضيق في إمساكها، كل أنواع الضيق مع رحمة الله تغدو يسرًا وسعادة، ولا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن، واسأل إنسانًا فقد حريته عشرة أعوام، إذا كان مع الله عز وجل، وفي رحمة الله عز وجل، يقول لك: قطعة من الجنة، وهو لا يكذب، ولا يبالغ، وإنسان يتقلّب في أفخر البيوت، إذا كان الله ليس راضيًا عنه فهو من أشقى الأشقياء، لا يتسع عليك مكان مع إمساك الرحمة، ولو تقلبت في أعطاف النعيم، ومرافع الرخاء، وأنت في أعطاف النعيم ومرافع الرخاء إذا غابت عنك رحمة الله عز وجل، فإذا المكان جحيم لا يطاق، وإذا النعيم شقاء، وإذا النعم نِقَم، لو دخلت إلى قلب تجلّى اللهُ عليه بالرحمة لرأيت ينابيع السعادة، والرضا، والطمأنينة تتفجر من خلاله، وإذا دخلت إلى قلب حجبت عنه رحمة الله لرأيت القلق، التعب والنصب، والكد، والمعاناة، إذا فُتحت أبواب رحمة الله، وغلقت جميع الأبواب، وأوصدت جميع النوافذ، وسَدت جميع المسالك، فهي الفرج والفسحة، واليسر، والرخاء، وإذا أغلق باب الرحمة، وفتحت جميع الأبواب، وجميع النوافذ، وجميع المسالك، فإذا هي الضيق والكرب، والشدة، والقلق، والمعاناة، حتى الآن لم نستطع تعريف رحمة الله، وإنما أتحدث عن آثارها فقط.