هذه علامة إن شاء الله صادقة لكل دعوة مخلصة، منزهة عن كل مقصد دنيوي، منزهة عن كل مطمح مادي، لا علاقة بالدعوة إلى الله بالدنيا كلها، أما إذا تداخلت الدنيا مع الدعوة إلى الله عندئذٍ تدخل الشكوك، وتدخل الظنون، لماذا شاء الله عزَّ وجل أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام فقيرًا مثلًا؟ لو كان غنيًا جدًا، ومنعمًا جدًا، لداخل الناس شكٌ في دعوته، لعله فعل هذا من أجل الدنيا، لعله فعل هذا من أجل حطامها، لعله فعل هذا من أجل مالها، لكن جاء الحياة فأعطى ولم يأخذ، لم يأخذ شيئًا، غادر الدنيا كما جاءها، وهذا وسام شرف له، أتحب أن تكون نبيًا ملكًا أم نبيًا عبدًا؟ قال بل نبيًا عبدًا، أجوع يومًا فأذكره وأشبع يومًا فأشكره.
{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
من آيات الله في الناس معاقبة المسيء وتوفيق المحسن:
يقذف بالحق، في الدرس الماضي بيَّنت أن دائمًا وأبدًا ترى وجود الله واضحًا، يعبر عنه العوام بكلمة: الله كبير، أحيانًا الله عزَّ وجل ينتقم من الظالم انتقامًا مروِّعا، وأحيانًا يوفق الضعيف المستقيم توفيقًا رائعًا، أحيانًا يهب لمن يشاء الذكور بعد عُقْمٍ يائس، دائمًا وأبدًا ترى آيات الله بإكرام المستقيم، وبمعاقبة المنحرف، قال بعض العارفين:"عرفت الله من نقض العزائم".
قد تضع خطةً محكمةً دقيقةً دقيقة دَقيقة، وقد حبكتها من كل الجوانب، وغطَّيتها من كل الوجوه، وأغلقت كل الثغرات، وبعدئذٍ تفاجأ بخطرٍ لم يكن في الحسبان، إذًا: هذا هو الله، ليس مع الله ذكيٌ أبدًا، يا رب لا ينفع ذا الجَد منك الجد، صاحب الذكاء والحيلة، وصاحب التخطيط، وصاحب المكر والخداع، هذا عند الله عزَّ وجل لا شيء.
{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}