فإذا مشى الإنسان على حرف، بين أن يبقى على هذا السطح، وبين أن يسقط، إذا سار على حرف النهر، بين أن تزل قدمه فيسقط، وبين أن يبقى على اليابسة، احتمال الوقوع كبير جدًا، لكن إذا كان في الأعماق، في أعماق البر، احتمال أن تزل قدمه، وأن يسقط في الماء احتمال مستحيل، فالإنسان كلما ارتقى إيمانه يدخل في أعماق الكمال، أما الذي إيمانه ضعيف فهو على حرف، لكن أهل الدنيا الذين يتخلَّقون بأخلاقٍ رَضِيَّةٍ، لانتزاع إعجاب الآخرين، وانتزاع ثنائهم، وترويج بضائعهم، هؤلاء سريعًا ما ينكشفون، لو جاءهم مؤثِّرٌ يصدم مصالحهم، أو يجرح مشاعرهم ينقلبون إلى وحوشٍ كاسرة، كل لباقته ونعومته وذوقه الرفيع تركه جانبًا، وتكشَّف عن وحشٍ كاسر.
فلذلك إذا ارتقى إيمانك تدخل في الأعماق، فالهدى يرفعك، يعلي شأنك، يجعلك ظاهرًا، بارزًا، متألِّقًا؛ وأما الضلال يجعلك في الظلام، يجعلك في الأقبية، فالمعاصي كلها في الأقبية، أما الطاعات ففي أماكن فسيحة ومكشوفة، والباب مفتوح دائمًا، تحت ضوء الشمس، أهل الإيمان يعملون تحت ضوء الشمس في وضح النار، كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ) ).
[ابن ماجه عن العرباض بن سارية]
(على) فيها وضوح، أنت في مكان عالٍ انظر إلى الجبل، الجبل واضح، إذا أتيت الشام من طريق درعا ترى الجبل، من طريق بيروت ترى الجبل، من طريق حلب ترى الجبل، من طريق التل ومنين ترى الجبل، شيءٌ عالٍ، والهدى كذلك منارة مرتفعة تُرى من كل مكان؛ أما إذا ضللت فالضلال يحتاج إلى أماكن إضاءتها خافتة أليس كذلك؟ وتحت الأرض وفي السر، المعاصي ترتكب سرًا، والزنا يرتكب سرًا، بينما الزواج تطلق أبواق السيارات حتى تملأ الدنيا ضجيجًا، لأنه زواج.