صاروا قصة، أحيانًا يقول: فلان أكل من مال حرام، وآخر حلف يمين غموس، خرج من عند القاضي، بعد مترين وقع مشلولًا، بعد يومين مات، كان فلان ملء السمع والبصر، له قيمة، وكان فلان مرهوب الجانب، فإذا هو بعد يومين أصبح قصة، صار حديثًا، لذلك بعض الأدعية التي قرأتها:
"يا رب لا تجعلني عبرةً لأحدٍ من خلقك".
ألا أكون قصة يتعظ الناس بها، يقولون: فلان أكل مالًا حرامًا فدمره الله، فلان اعتدى على أعراض الناس ففضح في عقر داره، جاءت الشرطة إلى بيته، وزوجته داعرة، أخطر شيء في الإنسان أن يصير هو نفسه قصة، لذلك ربنا عزَّ وجل قال:
{فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ}
الأقوام السابقة أصبحت أحاديث، وآثارها تخبرك عنها، آثار تدمر، آثار الأنباط، هنا التدمريون، وهناك قوم عاد، وثمود، وقوم تُبَّع.
{فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ}
لذلك الدعاء.
"يا رب لا تجعلني عبرةً لأحدٍ من خلقك".
صار حديثًا، الآن كل إنسان إذا زلت قدمه، أو فضحت ابنته بعدما أهمل تربيتها، فهربت مع شخص فرضًا، وهذا الشخص فاسق فاجر، دلَّها على عمل ساقط، صارت قصته تروى في المجالس عند الأقرباء.
فالإنسان يأخذ حيطته، ويضبط أموره، ويستعين بربه، ويطبق شرع الله عزَّ وجل، حتى لا يكون عبرة وموعظة، ولكن قصته عطرة، تتعطر بها المجالس، فلان ما شاء الله، استقام على أمر الله فأكرمه الله ووفقه الله، ورزقه زوجةً صالحةً وأولادًا أبرارًا، فالإنسان يجهد أن يكون حديثه عطرًا بين الناس بطاعته لله، أما إذا عصى الله عزَّ وجل يصبح حديثه قصةً يُتَّعَظُ بها في المجالس.
{فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}
دمروا، وشتتوا، وتفرَّقوا، وتشعَّبوا، وتشرذموا.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}
إذًا حينما قالوا:
{رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ}