لهذا النبي العظيم صنعة وحرفة، وهي صناعة الدروع، ألم يكن نبينا عليه الصلاة والسلام راعي غنم؟ ألم يكن نبيُّنا عليه الصلاة والسلام شريكًا مضاربًا مع السيدة خديجة، وهي أول شراكة مضاربة في الإسلام؟ ألم يكن للنبي عليه الصلاة والسلام شريك في مكَّة يبيعان السلع ويقتسمان الربح؟ إذًا ورد في تفسير القرطبي: أن في هذه الآية دليلٌ على تعلُّم أهل الفضل الصنائع، وأن اتخاذ الحرفة لا ينقص من مناصبهم العليَّة.
مقام النبوَّة لا يجرحه أن يكون صاحب حرفة؟ سيدنا الصديق كان بزازًا ـ بائع قِماش ـ سيدنا أبو عبيدة كان قصَّابًا، وأنعم به من قصَّاب، أصحاب النبي كانوا يعملون، قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف:"دونك نصف مالي إني من أكثر أهل المدينة مالًا ـ دونك نصف مالي أي خذ نصف مالي، قال له عبد الرحمن:"بارك الله لك في مالك، ولكن دُلَّني على السوق"، باع واشترى، واتَّجر وربح، وتزوَّج."
إذًا: لا ينقص التَحَرُّفُ أهلَ الفضل من مناصبهم، بل يزيد في فضلهم وفضائلهم، إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم ـ الإنسان حينما يعمل إذًا هو مضطر أن يعمل حتَّى يأكل، العمل يجعله متواضعًا، يجعله بحجمه الحقيقي، لا يتكبَّر على خلق الله ـ إذ يزيد التحرُّفُ أو اتخاذ الحرفة في فضلهم وفضائلهم، فيحصل لهم التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم.
بمَ نلت هذا المقام يا إمام؟ قال:"باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي".
والكسب الحلال يبعد عن الامتنان، فالإنسان إذا أعطى قد يمنّ، أما إذا كسبت مالك بتعبك وعرق جبينك وكدِّك، فهذا الكسب بهذه الطريقة لا يجعل لأحدٍ عليك منَّة، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَاكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام كَانَ يَاكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) ).
[من صحيح البخاري عن المِقْدام]
3 ـ كل حرفة مسخَّرة لحرفة أخرى: