فربنا عزَّ وجل خصَّ هذا النبي الكريم بمعجزة أن الحديد يلين بين يديه، لا يحتاج إلى أن يحمي الحديد حتَّى يصبح كالعجين، ثم يطرِّقه بالمطارق، الحديد فيما توحي به هذه الآية، لينٌ بين يديه كالشمع أو العجين، يشكِّله، ثم يغدو حديدًا كما تعرفونه ..
{وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
1 ـ مِن صنعة داود عملُ الدروع:
هذه الآية يجب أن نقف عندها وقفة متأنية، الله سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى قال:
{وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ}
(سورة الأنبياء: من الآية 80)
فهذه حرفةٌ له عليه الصلاة والسلام، كرَّمه الله عزَّ وجل بأن جعل الحديد ليِّنًا بين يديه، الناس من قبل كانوا يصنعون دروعًا من صفائح الحديد، وكانت هذه الصفائح ترهقهم وتعذِّبهم، وتثقل عليهم، فربنا سبحانه وتعالى ألهمه أن يصنع دروعًا لا من الصفائح، بل من السلاسل، من الحلقات، فهذه الدروع بهذه الطريقة يخفُّ وزنها، وتصبح موافقةً لجسم الإنسان، لها كُم، وصدر، وظهر، فالدرع المصنوع من سلاسل متداخلة أخفُّ على الجسم من درع الصفائح، وأيسر منه استعمالًا، فربنا سبحانه وتعالى علَّمه هذه الصنعة، وكان يبيع الدرع بمبلغٍ مجزٍ، فعاش في بحبوحة، وأنفق من هذا الدخل، وكانت له حرفة مع أنه نبي.
2 ـ على أهل الفضل تعلُّم الصنائع:
أعجبني في هذه الآية ما ورد في كتاب القرطبي، قيل:"في هذه الآية دليلٌ على تعلُّم أهل الفضل الصنائع"، فأهل الفضل وهل أعلى من الأنبياء؟ هم قمَّة البشر ومع ذلك:
{وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ}
(سورة الأنبياء: من الآية 80)