الفضل هذه الأشياء، أما التطبيق العملي لهذه الآية فيما يخصُّ المؤمنين: إذا ميَّزك الله عن عامة الناس بمعرفته فهذا فضلٌ عظيم، لا ترى نفسك محرومًا في الدنيا، إذا خصَّك الله بلسانٍ طليقٍ في الدعوة إليه هذا فضلٌ عظيم، إذا خصَّك الله عزَّ وجل بقلبٍ شاكر، ولسانٍ ذاكر، وجسدٍ على البلاء صابر فهذا فضلٌ عظيم، إذا ألهمك شكره، وألهمك الصبر عند المصائب، ألهمك الشكر عند الرخاء، إذا جمعك مع أهل الحق، إذا جعلك بين المؤمنين، إذا هيَّأ لك أسرةً طيِّبةً، ذريَّةً صالحةً، زوجةً صالحةً، أولادًا أبرارًا، هذا كلُّه فضل من الله عزَّ وجل، إذا جعل لك مأوىً تأوي إليه، هذا أيضًا من فضل الله عزَّ وجل ..
{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا}
من هذا الفضل ..
{يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ}
يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ
معنى أوِّبي معه، من معاني هذه الآية أي سبِّحي، والحقيقة الثابتة في كتاب الله أن ما من مخلوقٍ في الكون وعلى وجه الإطلاق إلا يسبِّح بحمد الله، قال تعالى:
{وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}
(سورة الإسراء: من الآية 44)
لا تفقهونه أنتم، فسيدنا داود أوتي القدرة على سماع تسبيح الجبال، إنه يسمعها، وتسبِّح معه، فهذه الشفافيَّة التي يبلغها الأنبياء شيءٌ فوق الوصف، النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول:
(( إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث ) ).
[الجامع الصغير عن جابر بن سمرة]
وقف على جذع نخلة كان يخطب عليها، فلمَّا صنع له أصحابه منبرًا، وقف على المنبر، ووضع يده على جذع النخلة، لأنها حنَّت إليه، هذا الشعور صعب أن يدركه إنسان، ولمَّا وصف له الصديق حالة سيدنا حنظلة، قال:
(( يا أبا بكر، نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا، أما أنتم، يا أخي فساعةٌ وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم ) ).
[مسلم عن حنظلة]