أيضًا قال بعض العلماء: إذا استعمل الله الفعل الماضي للإخبار عن المستقبل فهذا يعني تحقق الوقوع، أي كأنه وقع، فأنت لا سمح الله ولا قدَّر لو رأيت إنسانًا ينطلق بمركبته في أقصى سرعة في طريقٍ هابطة، وأنت تعلم علم اليقين هذه المركبة ليس فيها مكبح، ألا تقول وأنت لا تدري: تدهوروا ـ تقول تدهوروا بالفعل الماضي قبل أن يتدهوروا، لماذا؟ لليقين انتهوا، كثيرًا ما يقول الطبيب: انتهى، قلبه لا يزال ينبض، ساعة وهو لم ينته بعد، إذا كنت متيقنًا مما سيكون وأنت لا تشعر تستخدم الفعل الماضي.
الراكب مركبة وهو في أقصى سرعة، وشعر أن المكبح قد انقطع، ماذا يقول؟ هل يقول: بعد قليل سوف نقع، يقول لك: وقعنا، وهو لا يدري يستخدم الفعل الماضي، لذلك ربنا عزَّ وجل قال:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) }
أي يا أيها الإنسان هذا الخبر يجب أن توقن به وكأنك تراه بعينك.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ}
النبي عليه الصلاة والسلام سأل أحد أصحابه قال:
(( كأني بأهل الجنة في الجنة يتنعمون فيها، وكأني بأهل النار في النار يعذبون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبت فالزم، مؤمن نور الله قلبه ) ).
(مجمع الزوائد)
المعلم صاحب الخبرة العالية إذا رأى طالبًا يتلهَّى في الدرس، كلما كلفه بوظيفة جاء مقصرًا فيها، المعلم الذي عَلَّم أربعين سنة يقول: كأنني أراه يبكي بعد حين، فهذا الطالب يسرح ويمرح ويمزح، فإذا جاء الامتحان ورسب، وتلقَّى النتيجة صار يبكي، هذا البكاء رآه المعلم الخبير قبل حين، يؤيِّد هذا قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) }
(سورة غافر)