قال أحدهم مرة: لقد تعبت، فقد بقي ستة أشهر وهو محتار أيمدد الشوفاج تمديدًا داخليًا أم ظاهريًا، خائف أن يمدده تمديدًا داخليًا وبعد عشرين سنة تتسرَّب المياه فيضطر لكسر البلاط، يفكِّر لعشرين، وثلاثين، وأربعين سنة، بعد هذا استقرَّ رأيه أن يركبه داخليًا لأنه أكمل، فإذا صار في المستقبل تسرُّب نركبه خارجيًا ولا نكسر البلاط، وهذا الرجل مات بعد ستة أشهر، فهذا الذي يعدُّ لكل شيءٍ عدةً، يحسب لكل شيءٍ حسابًا إلا الموت، هذه النهاية الكبرى، المغادرة هذه تأتيه فجأةً، تأتيه كالصاعقة لا يحتمل وقعها، الذين يعملون في اختصاصات قريبة من اختصاصات القلب يشاهدون من المرضى العجب العجاب، انهيار سريع، تجد إنسانًا كان متماسكًا، له مكانته، له جبروته حينما تأتيه أزمة يصبح كالأطفال، السبب أن هذه الساعة ما أعدَّ لها أبدًا:
{فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) }
(سورة المدثر (
الموت حق، لا بدَّ من أن نموت جميعًا؛ لكن البطل هو الذي يعمل في حياته كلِّها لهذه الساعة، كما قال مالك بن دينار:"لمثل هذه الساعة كان دأبُ أبي يحيى"، والمفروض نحن جميعًا، اجتهادنا، وطاعتنا لله، وصلواتنا، وعبادتنا، وتفكُّرنا، وتلاوتنا، وجهاد نفوسنا وهوانا، وخدمة الناس، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا العمل الصالح الدؤوب، كل هذا الجهد من أجل ساعة اللقاء، من أجل أن تكون في هذه الساعة من أسعد الناس، من أجل أن يكون الموت تحفة المؤمن، من أجل أن يكون الموت عُرْسَهُ، هذا هو العقل.
العقل أن تعدَّ العُدَّة لهذه الساعة:
{يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) }
لعنهم في الدنيا، أبعدهم عنه، وأعدَّ لهم في الآخرة سعيرًا: