الآن زينب هذه من شريفات قريش، بنت عم النبي عليه الصلاة والسلام، حينما بَلَغَ زيدٌ سن الزواج ـ دققوا ـ أية اعتبارات طبقيةٍ في هذه القصة؟ زيد عبد تبنَّاه النبي، نسبه إليه، قال: يرثني وأرثه. فلما شَبَّ عن الطوق وصار في سن الرجال، زوجه النبي عليه الصلاة والسلام من أشرف فتيات قريش، زينب بنت جحش ابنة عمته صلى الله عليه وسلم، لكن زينب ـ وهذا الشيء واقع ـ زينب التي كانت تعتز بنسبها، وتعتز بجمالها، وبعقلها، وبمكانتها، آلمها أن تكون زوجًا لزيد، فكرهت وكره أخوها أن تُزَفَّ هذه الشريفة ـ وهذه بالطبع من مخلفات الجاهلية ـ إلى مولىً من الموالي، وفزعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ألا يلحق بهما العار، فما كانت بنات الأشراف ليتزوجن من موالٍ وإن أعتقوا، وقالت زينب فيما قالت: لا أتزوجه أبدًا وأنا سيدة أبناء عبد شمس، والنبي عليه الصلاة والسلام حدَّثها عن زيد، وعن إسلامه، وعن مكانته، وعن علوِّ مقامه عند الله عزَّ وجل، وعندئذٍ بقيت مترددةٍ إلى أن نزل قوله تعالى:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36) }
وعندئذٍ قبلت زينب الزواج من هذا المولى، من زيد بن حارثة.
لكن كما تروي السيرة الحياة لم تكن لتستقر بينهما، فيبدو أنها ترى نفسها أكبر، وأشرف، وأعرق، وتتوهم أن هناك شخصًا عظيمًا يجب أن يكون زوجًا لها، وعلى كلٍ هذا شأن النساء جميعًا، قاسى زيدٌ من صَدِّهَا، وقاسى من ترفُّعِهَا، وقاسى من اعتزازها بنسبها، فشكا ذلك إلى النبي، وربنا عزَّ وجل ذكر هذا وقال:
{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (37) }