فهرس الكتاب

الصفحة 14492 من 22028

الجاهلية في أدق معناها جهلٌ في حقيقة التوحيد، وجهلٌ في تنفيذ أمر الله عزَّ وجل، وجهلٌ في الاعتقاد، وجهلٌ في السلوك.

في موسمٍ من مواسم الحج قصد البيت الحرام نفرٌ من قوم زيد، وأهله، وفيما كانوا يطوفون بالبيت العتيق إذا هم بزيدٍ وجهًا لوجه، فعرفوه وعرفهم، وسألوه وسألهم، ولما قضوا مناسكهم وعادوا إلى ديارهم أخبروا آباه بما رأوا وحدَّثوه بما سمعوا، فماذا قال زيد لأقربائه حينما لقيهم وجهًا لوجه؟ قال: أخبروا أبي أني مع أكرم والد.

سوف ترون بعد قليل كيف أن عظمة الإسلام تجعل المسلمين لا فرق عندهم بين إنسانٍ وإنسان:

{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) }

(سورة الحجرات)

هذا الغلام العبد الأسير الذي اشتري من سوق العبيد، وقدم لخديجة بنت خويلد، وقدمته للنبي عليه الصلاة والسلام، عامله النبي عليه الصلاة والسلام كأحد أولاده تمامًا؛ بل إنه عامله معاملةً تفوق معاملة الأم والأب لابنهما، قال: أخبروا أبي أني مع أكرم والد.

ما أسرع أن عاد حارثة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أَعَدَّ راحلته، وحمل من المال ما يفدي به فلذة كبده وقرة عينه، وصحب معه أخاه كعبًا، وانطلقا معًا يَغِزَّانِ الطريق نحو مكة، فلما بلغاها دخلا على محمد عليه الصلاة والسلام، وقالا له: يا ابن عبد المطلب أنتم جيران الله تفكون العاني، وتطعمون الجائع، وتغيثون الملهوف، وقد جئناك في ابننا الذي عندك، وحملنا إليك من المال ما نفدي به ـ اطلب ما شئت ـ فامنن علينا وفاده لنا بما تشاء، فقال عليه الصلاة والسلام: من ابنكما الذي تعنيان؟ قالا: غلامك زيد بن حارثة، فقال عليه الصلاة والسلام: وهل لكما فيما هو خيرٌ من الفداء أي أفضل؟ قالا: وما هو؟ قال: أدعوه لكم فخيروه بيني وبينكم، فإن اختاركم فهو لكم بغير مال ـ هو ابنكم ـ وإن اختارني فما أنا والله بالذي يرغب عمن يختاره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت